ربك ( من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فما من أحد منهم إلا استقل من غيره
وتميز منه . فاجتمعوا هناك جميعا . وهم فرادى . فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم
( وأشهدهم على أنفسهم ) فلم يحتجبوا عنه . وعاينوا أنه ربهم كما أن كل شئ
بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب عنه . ( ألست بربكم ) وهو خطاب
حقيقي لهم . لا بيان حال . وتكليم إلهي لهم فإنهم يفهمون مما يشاهدون . أن
الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق . وقوله : ( أن تقولوا يوم
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) الخطاب للمخاطبين بقوله : ( ألست بربكم )
القائلين ( بلى شهدنا ) فهم هناك يعاينون الإشهاد والتكليم من الله . والتكلم
بالاعتراف من أنفسهم . وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة مما عدا المعرفة
بالاستدلال . ثم إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا . وانمحت هذه الشواغل
والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم . وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم ( 7 ) .
والمراد أنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم . وأشهدناهم على أنفسهم .
فاعترفوا بربوبيتنا . فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة . ولو لم نفعل هذا . ولم
نشهد كل فرد منهم على نفسه بعد أخذه . فإن كنا أهملنا الإشهاد من رأس . فلم
يشهد أحد أن الله ربه . ولم يعلم ربه . لأقاموا جميعا الحجة علينا يوم القيامة
بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا . ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة .
وإن كنا لم نهمل أمر الإشهاد من رأس . وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض
بأن أشهدنا الآباء على هذا الأمر الهام العظيم دون ذرياتهم . ثم أشرك الجميع .
كان شرك الآباء شركا على علم بأن الله هو الرب لا رب غيره . فكانت معصية
منهم . وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلى العلم به
لا إجمالا ولا تفصيلا . ومتابعة عملية محضة لآبائهم . فكان آباؤهم هم
المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الأمر . وقد قادوا ذريتهم
الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك . ولا سبيل لهم إلى العلم
بحقيقة الأمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم . فكانت الحجة لهؤلاء الذرية
على الله يوم القيامة . لأن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء .
فهم المستحقين للمؤاخذة . والفعل فعلهم . وأما الذرية فلم يعرفوا حقا حتى
هامش
( 7 ) تفسير الميزان ، السيد الطباطبائي ط . مؤسسة الأعلمي بيروت : ص 322 / 8 .