ينف سبحانه عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء . وقال سبحانه : ( إني
أعلم ما لا تعلمون ) ( 4 ) . فالإنسان قبل أن يخلق قدر الله أن تكون حركته على
الأرض . ولأن هذه الحركة لحكمة ومن وراء هذه الحكمة هدف . أقام الله الحجة
على هذه الحركة . فإذا اقترف الإنسان المعاصي وسفك الدماء : كانت الحجة
شاهد عليه . ولا يوصف بالعدل من نسب إلى الله ذنوب عباده .
1 - حجة الفطرة :
وإذا كانت حركة الإنسان قدر لها أن تكون على الأرض . فإن هذه الحركة
لا ينبغي لها أن تخرج عن دائرة العبادة لله إذا أراد صاحبها النجاة . أما إذا أراد أن
يدلي بدلوه في مربعات الفساد وسفك الدماء . فإنه بحركته هذه يدور في عكس
اتجاه النجاة وعندئذ لا يلومن إلا نفسه . قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) ( 5 ) قال المفسرون .
المراد بخلقهم للعبادة ، خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ذوي
اختيار وعقل واستطاعة ، والمعنى : أي ما خلقتهم إلا لأجل العبادة . ولم أرد من
جميعهم إلا إياها . والغرض من خلقهم تعريضهم للثواب . وذلك لا يحصل إلا
بأداء العبادات . ولما كان الإنسان قد خلق من أجل العبادة وعلى طريق هذه
العبادة توجد دوائر للإفساد وسفك الدماء هدفها عرقلة هذه العبادة . فإنه تعالى
وضع أصول هذه العبادة في حصن الفطرة الحصين . ليعبر الإنسان بفطرته
السليمة تلك العقبات ويصل بعبادته إلى حيث ينال الثواب . فالفطرة شعاع يهدي
صاحبه إلى طريق النجاة . والفطرة حجة بذاتها على الإنسان تنطق عليه بالحق يوم
يقف أمام الله تعالى يوم القيامة ويقول له : ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) .
ومخزون الفطرة الحجة بذاته جاء ذكره في أكثر من موضع من كتاب الله . منه قوله
تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني أدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو
تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل
المبطلون " ( 6 ) قال صاحب الميزان . أي أذكر للناس . موطنا قبل الدنيا أخذ فيه
هامش
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 30 .
( 5 ) سورة الذاريات ، الآيتان : 56 - 57 .
( 6 ) سورة الأعراف ، الآيتان : 172 - 173 .