حدثني أنه ركب في سفينة بحرية ، مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ،
فلعب بهم الموج شهرا في البحر ، ثم [ أرفأوا ] إلى جزيرة في البحر ، حيث
مغرب الشمس ، فجلسوا في أقرب السفينة ، فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابة
أهلب ، كثير الشعر ، لا يدرون ما قبله من دبره ، من كثرة الشعر ، فقالوا :
ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، فقالوا : وما الجساسة ؟ قالت : أيها
القوم ، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ، قال :
لما سمت لنا رجلا ، فرقنا منها أن تكون شيطانا ، فانطلقنا سراعا حتى أتينا
الدير ، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا ، وأشده وثاقا ، مجموعة يداه إلى
عنقه ، ما بين ركبتيه بالحديد إلى كعبيه ، قلنا : ويلك ! ما أنت ؟ قال : قد
قدرتم على خبري ، فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناس من العرب ، ركبنا
في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين [ اغتلم ] ، فلعب بنا الموج شهرا ، ثم
أرفأنا إلى جزيرتك هذه ، فجلسنا في أقربها ، فدخلنا الجزيرة ، فلقيتنا دابة
أهلب ، كثير الشعر ، لا ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقلنا :
ويلك ! ما أنت ؟ فقال : الجساسة ، فقلنا : وما الجساسة ؟ قالت : اعبروا إلى
هذا الرجل في الدير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ، فأقبلنا إليك سراعا ، وفزعنا
منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانا .
قال : أخبروني عن نخل بيسان ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال :
أسألكم عن نخلها ، هل يثمر ؟ فقلنا له : نعم ، قال : أما إنه توشك ألا يثمر ،
قال : أخبروني عن بحيرة طبرية ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : هل
فيها ماء ؟ قالوا : هي كثيرة الماء ، قال : أما إن ماءها يوشك أن يذهب .
قال : أخبروني عن عين زغر ؟ قالوا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال :
هل في العين ماء ؟ وهل يزرع أهلها بماء العين ؟ قلنا له : نعم ، هي كثيرة
الماء ، وأهلها يزرعون من مائها ، قال : أخبروني عن نبي الأميين ما فعل ؟
[ قالوا ] : أخرج من مكة ، ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم ، قال :
كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال
لهم : قد كان ذلك ؟ قلنا له : نعم ، قال : أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه ،
وإني مخبركم عني : إني أنا المسيح [ الدجال ] ، وإني أوشك أن يؤذن لي في
الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين
إمتاع الأسماع — صفحة 64
مساهمون: المقريزي
ص٦٤