ليلة ، إلا مكة وطيبة ، فهما محرمتان على كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل
واحدة ، أو واحدا منهما ، استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وإن
على كل نقب منها ملائكة يحرسونها .
قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وطعن [ أو طن ] بمخصرته في المنبر :
هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعني المدينة ، ألا هل كنت أحدثكم ذلك ؟
فقال الناس : نعم ، فإنه أعجبني حديث تميم ، أنه وافق الذي كنت أحدثكم
عنه ، وعن المدينة ، ومكة ، إلا أنه في بحر الشام ، أو نحو اليمن ، لا بل
من قبل المشرق ، ما هو من قبل المشرق وما هو من قبل المغرب ، ما هو ،
وأومأ بيده إلى المشرق ، قالت : فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له عدة
طرق ، تدور على الشعبي ( 1 ) .
هامش
( 1 ) مسلم : ( 18 / 291 - 297 ) ، كتاب القتن وأشراط الساعة ، باب قصة الجساسة ، باب ( 24 ) ،
( حديث رقم 119 ، 120 ، 121 ، 122 ، 123 ) ، وهذا الحديث معدود في مناقب تميم الداري رضي
الله تبارك وتعالى عنه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم روى هذه القصة وهي من باب رواية الفاضل عن المفضول ،
والمتبوع عن تابعه ، وفيها دليل على قبول خبر الواحد .
[ والجساسة - بفتح الجيم وتشديد السين المهملة الأولى - سميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار
للدجال ] .
[ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله تبارك وتعالى عنهما أنها دابة الأرض
المذكورة في القرآن ] ، في قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض
تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) النمل : ( 82 ) .
[ وفاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان ابن
محارب بن فهر القرشية الفهرية ، إحدى المهاجرات الأول الجميلات العاقلات النبيلات ، كانت عند
أبي عمرو بن حفص [ بن عمرو ] بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي ،
واسمه : عبد الحميد ، وقيل : اسمه كنيته . طلقها لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب ،
رضي الله تبارك وتعالى عنه ، حين وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرا على اليمن ، وبعث إليها تطليقة ،
وهي بقية طلاقها ، ثم مات هناك مع علي رضي الله تبارك وتعالى عنه ، فتأيمت - أي صارت أيما -
وهي [ التي ] لا زوج لها ، فخطبها معاوية ، وأبو جهم بن حذيفة ، فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم فيهما ،
فأشار عليها بأسامة بن زيد ، فتزوجته ] .
[ وذكر البخاري في ( التاريخ ) أنه عاش إلى خلافة عمر ، رضي الله تبارك وتعالى
عنه ] .
[ وقولها : " فأصيب " ، وليس معناه أنه قتل في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأيمت بذلك ، بل
إنما تأيمت بطلاقه البائن ، ويكون معنى فأصيب [ بجراحة أو أصيب ] في ماله أو نحو ذلك ،
وأرادت عد فضائله ، فابتدأت بكونه خير شباب قريش ، ثم ذكرت الباقي ] .
[ وقوله : " وأم شريك من الأنصار " أنكر هذا بعضهم وقال : إنما هي قريشة ، وهي من
بني عامر بن لؤي ، واسمها غزية ، وقيل : غزيلة . وذهب آخرون إلى أنهما ثنتان : قريشة
وأنصارية ، فالقرشية العامرية هي : أم شريك غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن
رواحة بن حجر . ويقال : حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤي [ وقيل : هي أم شريك بنت
عوف بن جابر بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر ابن لؤي ] وهي التي وهبت نفسها
للنبي صلى الله عليه وسلم ، على خلاف في ذلك قد ذكرته في كتاب ( إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال
والحفدة والمتاع ) ، [ عند ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ، قال محققه : راجع ( إمتاع الأسماع )
بتحقيقنا : الجزء السادس .
وأما أم شريك الأنصارية فمن بني النجار ، ولم يذكرها ابن عبد البر ، وإنما روى الحاكم
في ( المستدرك ) عن طريق محمد بن إسحاق : حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا زهير بن العلاء ، حدثنا
سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قال : وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شريك الأنصارية من بني النجار
قال : " إني أحب أن أتزوج في الأنصار " ، ثم قال : " إني أكره غيرتهن " فلم يدخل بها .
[ وقوله : " انتقلي إلى ابن عمك : عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم " وهو رجل من بني فهر
- فهر قريش - وهو من البطن الذي هي منه - ابن أم مكتوم صفة لعبد الله لا لعمرو ، فإنه عبد الله ابن
أم مكتوم [ وهي أمه فينسب تارة إلى أبيه عمرو ، وتارة ينسب إلى أمه أم مكتوم ] ، فينبغي أن يكتب
في قولنا : ابن أم مكتوم بألف في " ابن " وفي قولها هذا إشكال ، فإن ابن أم مكتوم من بني عامر بن
لؤي ، وفاطمة بنت قيس من بني محارب بن فهر ، فكيف يكون ابن عمها ، وأنها من البطن الذي هو
منه ] ؟ .
[ وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن المراد بالبطن هاهنا : القبيلة ، لا البطن الذي هو دون
القبيلة ، والمراد ابن عمها مجازا ، لكونه من قبيلتها . وفيه نظر ] ! ( هدي الساري ) .
قال أبو الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي : إعلم أن العرب كلها ترجع إلى
أصلين : عدنان ، وقحطان ، وكان الملك في الجاهلية لقحطان حتى نقله الإسلام إلى عدنان ، ولكل
واحد منهم فروع اتفقت العرب فيما نقل إلينا على أن جعلتها ست طبقات ، وكذلك عدها أهل اللغة .
الطبقة الأولى : الشعب بفتح الشين ، وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا ، قال الجوهري :
وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه وبجمع على شعوب . قال الماوردي في الأحكام السلطانية : وسمي
شعبا لأن القبائل تتشعب منه ، وذكر الزمخشري في كشافه نحوه .
الطبقة الثانية : القبيلة وهي ما انقسم فيه الشعب كربيعة ومضر . قال الماوردي : وسميت
قبيلة لتقابل الأنساب فيها ، وتجمع القبيلة على قبائل وربما سميت القبائل جماجم أيضا كما يقتضيه كلام
الجوهري ، حيث قال : جماجم العرب هي القبائل التي تجمع البطون .
الطبقة الثالثة : العمارة بكسر العين وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة وتجمع
على عمارات وعمائر .
الطبقة الرابعة : البطن ، وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم ،
ويجمع على بطون وأبطن .
الطبقة الخامسة : الفخذ . وهو ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم ، وبني أمية ،
ويجمع على أفخاذ .
الطبقة السادسة : الفصيلة . بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس
وبني عبد المطلب هكذا رتبها الماوردي رحمه الله في الأحكام السلطانية ، وعلى نحو ذلك جرى
الزمخشري في تفسيره في الكلام على قوله تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) [ الحجرات : 13 ]
إلا أنه مثل الشعب بخزيمة ، وللقبيلة بكنانة ، وللعمارة بقريش ، وللبطن بقصي ، وللفخذ بهاشم ،
وللفصيلة بالعباس .
وبالجملة ، فالفخذ يجمع القبائل ، والبطن يجمع الأفخاذ ، والعمارة تجمع البطون ، والقبيلة
تجمع العمائر ، والشعب يجمع القبائل ، وإنما يعلو بعضها على بعض بشرطين : قدم المولد ، وكثرة
الولد ، وليس دون الفصيلة إلا الرجل وولده .
قال النووي في ( تحرير التنبيه ) : وزاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة .
قال الجوهري : وعشيرة الرجل رهطه الأدنون .
وحكى أبو عبيد ، عن ابن الكلبي ، عن أبيه : تقديم الشعب ، ثم القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم
العمارة ، ثم الفخذ ، فأقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد القبيلة ، والعمارة مقام الفصيلة في
ذكرها قبل الفخذ ، ولم يذكر ما يخالفه ( سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ) : 13 - 14 .