الله [ عز وجل ] ، قال : فأمر ببقرة من نحاس ( 1 ) فأحميت ، ثم أمر بها لتلقى
فيها .
قالت : إن لي إليك حاجة ، قال : ما هي ؟ قالت : تجمع عظامي ، وعظام
ولدي في موضع ، قال : ذاك لك ، لما لك علينا من الحق ، قال : فأمر بهم فألقوا
واحدا واحدا ، حتى بلغ رضيعا فيهم ، فقال : قعي يا أمه ، ولا تقاعسي ، فإنا
على الحق ، قال : وتكلم أربعة وهم صغار ، هذا وشاهد يوسف ، وصاحب
جريج ، وعيسى [ ابن ] مريم عليه السلام ( 2 ) .
هامش
( 1 ) قدر كبير من نحاس .
( 2 ) ( دلائل البيهقي ) : 2 / 389 .
وأما الثلاثة الذين تكلموا في المهد ، فخرج البخاري ، من حديث جرير بن حازم ، عن محمد بن
سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ، عيسى ،
وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي ، فجاءته أمه فدعته ، فقال : أجيبها أو أصلى ؟
فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجه المومسات ، وكان جريج في صومعته ، فتعرضت له امرأة ، وكلمته
فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها ، فولدت غلاما ، فقالت : من جريج ، فأتوه فكسروا صومعته ،
وأنزلوه ، وسبوه ، فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الراعي ، قالوا : نبني
صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل ، فمر راكب
ذو شارة ، فقالت : اللهم اجعل ابني مثله ، فترك ثديها ، وأقبل على الراكب ، فقال : اللهم لا تجعلني
مثله ، ثم أقبل على ثديها يمصه ، قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه ، ثم مر بأمة
فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه ، فترك ثديها ، فقال : اجعلني مثلها ، فقالت : لم ذاك ؟ فقال :
الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون : سرقت ، زنيت ، ولم تفعل ) ، أخرجه البخاري في
كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ( 48 ) قول الله تعالى : ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ) ،
حديث رقم ( 3436 ) .
قوله : ( لم يتكلم في المهد إلا الثلاثة ، قال القرطبي : في هذا الحصر نظر ، إلا أن يحمل على أنه
صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك ، وفيه بعد .
ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيدا بالمهد ، وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد ،
لكنه يعكر عليه أن في رواية ابن قتيبة أن الصبي الذي طرحته أمه في الأخدود كان ابن سبعة أشهر ،
وصرح بالمهد في حديث أبي هريرة .
وفيه تعقيب على النووي في قوله : إن صاحب الأخدود لم يكن في المهد ، والسبب في قوله هذا ،
ما وقع في حديث ابن عباس عند أحمد ، والبزار ، وابن حبان ، والحاكم : ( لم يتكلم في المهد إلا
أربعة ) ، فلم يذكر الثالث الذي هنا ، وذكر شاهد يوسف ، والصبي الرضيع الذي قال لأمه - وهي
ماشطة بنت فرعون - لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار : ( اصبري يا أمه فإنا على الحق ) .
وأخرج الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة ، فيجتمع من هذا خمسة ، ووقع ذكر شاهد يوسف
أيضا في حديث عمران بن حصين ، لكنه موقوف ، وروى ابن أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف
مثل حديث ابن عباس ، إلا أنه لم يذكر ابن الماشطة .
وفي صحيح مسلم بن حديث صهيب في قصة أصحاب الأخدود ( أن امرأة جئ بها لتلقى في
النار أو لتكفر ، ومعها صبي يرضع ، فتقاعست ، فقال لها : يا أمه اصبري فإنك على الحق ) .
وزعم الضحاك في تفسيره أن يحيى تكلم في المهد ، أخرجه الثعلبي ، فإن ثبت صاروا سبعة .
وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد ، وفي ( سير الواقدي ) أن النبي صلى الله عليه وسلم
تكلم أوائل ما ولد ، وقد تكلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة ، وقصته في ( دلائل النبوة البيهقي )
من حديث معرض - بالضاد المعجمة - والله تعالى أعلى وأعلم ( فتح الباري ) .
* وفي الحديث إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع ، لأن الاستمرار فيها نافلة ، وإجابة الأم وبرها
واجب قال النووي وغيره : إنما دعت عليه فأجيبت ، لأنه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها ، لكن لعله
خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها ، كذا قال النووي ، وفيه نظر ، بسط
القول فيه الحافظ في ( الفتح ) .
* وفي الحديث أيضا عظم بر الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا ، لكن يختلف الحال
فيه بحسب المقاصد .
* وفيه الرفق بالتابع إذا جرى منه ما يقتضي التأديب ، لأن أم جريج مع غضبها منه لم تدع عليه إلا
بما دعت به خاصة ، ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة أو القتل .
* وفيه أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن .
* وفيه قوة يقين جريج المذكور وصحة رجائه ، لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق ،
ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنطقه .
* وفيه أن الأمرين إذا تعارضا بدئ بأهمهما ، وأن الله تعالى يجعل لأوليائهم عند ابتلائهم
مخارج ، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبا ، وزيادة لهم في الثواب .
* وفيه إثبات كرامات الأولياء ، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم .
* وفيه جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن علم من نفسه قوة على ذلك .
* وفيه أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة ، وأن المفزع في الأمور المهمة إلى الله يكون بالتوجه
إليه بالصلاة .
- * - وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافا لمن زعم ذلك ، وإنما الذي يختص بها الغرة والتحجيل
في الآخرة ( فتح الباري ) ، ( مصنف ابن أبي شيبة ) : 6 / 342 - 343 ، كتاب الفضائل ، باب ( 7 )
ما ذكر فيما فضل به عيسى عليه السلام ، حديث رقم ( 31864 ) ، ( مسند أحمد ) : 2 / 592 -
593 ، حديث رقم ( 8010 ) مسند أبي هريرة رضي الله عنه ، ( المستدرك ) : 2 / 650 ، كتاب
تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين ، حديث رقم ( 4161 ) ، ( الإحسان في تقريب صحيح ابن
حبان ) : 14 / 411 - 413 ، كتاب التاريخ ، باب ( 5 ) المعجزات ، ذكر خبر ثان يصرح بأن غير
الأنبياء قد يوجد لهم أحوال تؤدي إلى المعجزات ، حديث رقم ( 6489 ) .