وخرج الترمذي من حديث محمد بن السائب بن بركة ، عن أمه ، عن
عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك ، أمر بالحساء فصنع ،
ثم أسرهم فحسوا منه ، وكان يقول : إنه ليرتق ( 1 ) فؤاد المريض ، ويسرو ( 2 )
عن فؤاد السقيم ، كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ( 3 ) . هذا لفظ
الترمذي .
وقال النسائي : وفؤاد المريض ، وقال : كما يسرو أحدكم الوسخ بالماء عن
وجهه ( 4 ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقد رواه ابن المبارك
عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة [ رضي الله عنها ] ، عن النبي
صلى الله عليه وسلم ( 5 ) .
هامش
( 1 ) يرتق : يشد ويرخي ، والمراد هنا الشد ، لأن الحزن يرخي القلب .
( 2 ) يسرو : بمعنى يكشف ويجلو .
( 3 ) ( سنن الترمذي ) : 4 / 336 ، كتاب الطب ، باب ( 3 ) ما جاء ما يطعم المريض ، حديث رقم
( 2039 ) .
( 4 ) ( النسائي في الكبرى ) : الطب ، باب الدواء بالتلبينة .
( 5 ) ثم قال : حدثنا بذلك الحسين بن محمد ، حدثنا به أبو إسحاق الطالقاني عن ابن المبارك .
وأخرجه ابن ماجة في ( السنن ) : 2 / 1140 ، كتاب الطب ، باب ( 5 ) التلبية ، حديث رقم
( 3445 ) ، وفيه : ( إنه ليرتو فؤاد الحزين ، ويسر عن فؤاد السقيم ) ، وحديث رقم ( 3446 ) من
حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالبغيض النافع التلبينة ) يعني الحساء ،
قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار ، حتى ينتهي أحد
طرفيه ، يعني : يبرأ أو يموت .
وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) 5 / 38 ، كتاب الطب ، باب ( 13 ) في التلبينة ، حديث رقم
( 23491 ) .
وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) : 4 / 227 ، كتاب الطب ، حديث رقم ( 7454 ) ، وقال الحافظ
الذهبي في ( التلخيص ) : هكذا رواه المعافي بن سليمان عنه ، ورواه زيد بن الحباب ، عن فليح ، عن
أم مبشر بدل أم المنذر ، قال : صحيح .
وحديث رقم ( 7455 ) ، وقال في ( التلخيص ) : أيمن هو ابن نايلة ، صحيح .
وأخرجه الإمام مسلم في كتاب السلام ، باب ( 30 ) التلبية مجمة لفؤاد المريض ، حديث رقم
( 2216 ) .
قال العلامة ابن القيم : التلبين : هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن - ومن اشتق اسمه ، قال
الهروي : سميت تلبينة لشبهها باللبن ، لبياضها ورقتها ، وهذا الغذاء هو النافع للعليل ، وهو الرقيق
النضيح ، لا الغليظ النيئ .
وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة ، فاعرف فضل ماء الشعير ، بل هي ماء الشعير لهم ، فإنها حساء
متخذ من دقيق الشعير بنخالته ، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا ، والتلبينة تطبخ منه
مطحونا ، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن .
وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية ، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء
الشعير منه مطحونا لا صحاحا ، وهو أكثر تغذية ، وأقوى فعلا ، وأعظم جلاء ، وإنما اتخذه أطباء المدن
منه صحاحا ليكون أرق وألطف ، فلا يثقل على طبيعة المريض ، وهذا بحسب طبائع أهل المدن
ورخاوتها ، وثقل ماء الشعير المطحون عليها .
والمقصود : أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ، ويجلو جلاء ظاهرا ، ويغذى غذاء لطيفا ،
وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ، ونفوذه أسرع ، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر ، وتلميسه لسطوح
المعدة أوفق .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فيها مجمة ج لفؤاد المريض ) ، يروى بوجهين : بفتح الميم والجيم ، وبضم الميم وكسر
الجيم ، والأول أشهر ، ومعناه : أنها مريحة له ، أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة .
وقوله : ( تذهب ببعض الحزن ) ، هذا - والله تعالى أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ،
ويضعفان الحرارة الغريزية ، لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها ، وهذا الحساء
يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها ، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن .
وقد يقال - وهو أقرب - : إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية
المفرحة ، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية ، والله تعالى أعلم . . . ( زاد المعاد ) : 4 / 120 - 121 .