وخرج الحاكم من حديث معتمر بن سليمان ، حدثنا عبيد الله بن عمر ،
أنه سمع أبا بكر بن سالم يحدث عن أبيه ، عن ابن عمر [ رضي الله
عنهما ] ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إني رأيت في النوم أنى أعطيت عسا
مملوءا لبنا ، فشربت منه حتى تملأت ، حتى رأيته في عرق بين الجلد
واللحم ، ففضلت فضلة ، فأعطيتها عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] ؟
فقال : أصبتم . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ( 1 ) .
ولم يخرجاه ( 2 ) .
وخرجا من حديث يونس عن ابن شهاب ، أن [ سعيد ] بن المسيب أخبره
أنه سمع أبا هريرة [ رضي الله عنه ] يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
بينا أنا نائم ، رأيتني على قليب عليها دلو ، فنزعت منها ما شاء الله
[ تعالى ] ، ثم أخذها ابن أبي قحافة [ رضي الله عنه ] ، فنزع منها ذنوبا أو
ذنوبين ، وفي نزعه ضعف ، والله [ تعالى ] يغفر له ضعفه ، ثم استحالت
غربا ، فأخذها ابن الخطاب [ رضي الله عنه ] ، فلم أر عبقريا من الناس ينزع
نزع عمر [ رضي الله عنه ] ، [ حتى ] ضرب الناس بعطن . لفظهما فيه
متقارب .
أورده البخاري في مناقب أبي بكر رضي الله عنه ( 3 ) ، وأورده في كتاب
هامش
( 1 ) ( المستدرك ) : 3 / 92 ، كتاب معرفة الصحابة ، حديث رقم ( 4496 ) . قال الحافظ الذهبي في
( التلخيص ) : على شرط البخاري ومسلم .
( 2 ) زيادة للسياق من ( المستدرك ) .
( 3 ) ( فتح الباري ) : 7 / 26 ، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب ( 5 ) قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كنت
متخذا خليلا ) ، حديث رقم ( 3664 ) .
قوله : ( وفي نزعه ضعف ) أي أنه على مهل ورفق .
قوله : ( والله يغفر له ) قال النووي : هذا دعاء من المتكلم ، أي أنه لا مفهوم له . وقال غيره : فيه
إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر ، وهو نظير قوله تعالى لنبيه عليه السلام : ( فسبح بحمد ربك
واستغفره إنه كان توابا ) ، فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الحافظ : ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه ، لأن سببه
قصر مدته ، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه .
قوله : ( فاستحالت في يده غربا ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة ، أي دلوا
عظيمة .
قوله : ( فلم أر عبقريا ) ، بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها قاف مفتوحة وراء مكسورة وتحتانية
ثقيلة . والمراد به كل شئ بلغ النهاية ، وأصله أرض يسكنها الجن ، ضرب بها العرب المثل في كل
شئ عظيم . وقيل : قرية يعمل بها الثياب البالغة في الحسن ، والعطن : هو مناخ الإبل إذا شربت ثم
صدرت .
قال البيضاوي : أشار بالبئر إلى الدين الذي هو منبع ماؤها حياة النفوس ، وتمام أمر المعاش والمعاد ،
والنزع منه إخراج الماء ، وفيه إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه ، وقوله : ( يغفر الله له ) إشارة إلى
ضعفه - المراد به الرفق - غير قادح فيه ، أو المراد بالضعف ما وقع في أيامه من أمر الردة ، واختلاف
الكلمة ، إلى أن اجتمع ذلك في آخر أيامه وتكمل في زمان عمر ، وإليه الإشارة بالقوة .
وقد وقع عند الإمام أحمد من حديث سمرة : ( أن رجلا قال : يا رسول الله ، رأيت كأن دلوا
من السماء دليت ، فجاء أبو بكر فشرب شربا ضعيفا ، ثم جاء عمر فشرب حتى تضلع ) . . . الحديث ،
ففي هذا إشارة إلى بيان المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي ، والله تعالى أعلم . ( فتح الباري )
مختصرا .