وخرجه البخاري من حديث الليث ، عن عقيل عن ابن شهاب ، قال :
أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبي سعيد الخدري [ رضي الله
عنه ] قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم ، رأيت الناس عرضوا
علي ، وعليهم قمص ، فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما دون ذلك ، وعرض
علي عمر وعليه قميص اجتره ، قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ قال : الدين .
ذكره في كتاب التعبير ، وترجم عليه باب : جر القميص في [ المنام ] ( 1 ) .
وخرج في باب اللبن ، من حديث يونس عن الزهري ، قال : أخبرني حمزة
ابن عبد الله ، أن ابن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : بينا أنا نائم ، أتيت بقدح لبن فشربت منه ، حتى إني لأرى الري
يخرج في أظافيري ، ثم أعطيت فضلي [ يعني ] عمر رضي الله عنه ،
[ قالوا ] : فما أولته يا رسول الله ؟ قال [ صلى الله عليه وسلم ] العلم ( 2 ) ، و [ خرجه ] في
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 12 / 489 - 490 ، كتاب التعبير ، باب ( 18 ) جر القميص في المنام ، حديث رقم
( 7009 ) .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 12 / 486 ، كتاب التعبير ، باب ( 15 ) اللبن ، حديث قم ( 7006 ) .
قوله : ( باب اللبن ) أي إذا رؤي في المنام بماذا يعبر ؟ قال المهلب : اللبن يدل على الفطرة ، والسنة ،
والقرآن ، والعلم .
قال الحافظ : وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة ، كما أخرجه البزار من حديث
أبي هريرة رفعه : ( اللبن في المنام فطرة ) ، وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه : ( من رأى أنه
شرب لبنا فهو الفطرة ، ومن حديث أبي هريرة : ( أنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل : الحمد لله
الذي هداك للفطرة ) .
وذكر الدينوري : أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل ، وأنه لشاربه مال حلال ، وعلم ،
وحكمة . قال : ولبن البقر خصب السنة ومال حلال ، وفطرة أيضا . ولبن الشاة مال ، وسرور ، وصحة
جسم . وألبان الوحش شك في الدين ، وألبان السباع غير محمودة ، إلا أن لبن اللبؤة مال ، مع عداوة
لذي أمر .
قال ابن العربي : اللبن رزق يخلفه الله طيبا بين أخباث من دم وفرث ، كالعلم ، نور يظهره الله
في ظلمة الجهل ، فضرب به المثل في المنام .
قال بعض العارفين : الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك
وجهل ، ويحفظ العمل عن غفلة وزلل ، وهو كما قال ، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم ، والذي
ذكره قد يقع خارقا للعادة ، فيكون من باب الكرامة .
وفي الحديث مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه ، وإلقاء العالم المسائل واختيار أصحابه في
تأويلها ، وأن من الأدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه ، قال : والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن
يعبروها ، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها ، ففهموا مراده ، فسألوه ، فأفادهم ، وكذلك ينبغي أن
يسلك هذا الأدب في جميع الحالات .
وفيه أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بالله لا يبلغ أحد درجته فيه ، لأنه شرب حتى رأى الرأي يخرج من أطرافه ،
وأما إعطاؤه فضله عمر ، فيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله ، بحيث كان لا يأخذه في الله
لومة لائم .
وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي ، والحال ، والمستقبل ، وهذه أولت على الماضي ، فإن رؤياه
هذه تمثيل بأمر قد وقع ، لأن الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له ، وكذلك أعطيه عمر ، فكانت
فائدة هذه الرؤيا تعريف قدر النسبة بين ما أعطيه صلى الله عليه وسلم من العلم ، وما أعطيه عمر رضي الله عنه . . .
( فتح الباري ) مختصرا .