حبيبة مع أصحاب السفينتين فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان
رضي الله عنه ، فزوجه إياها ، والأول أثبت ، وتوفيت رضي الله عنها سنة
أربع وأربعين ، وقيل سنة اثنتين وأربعين ، وصلى عليها مروان .
وقد وقع في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار قال : حدثنا أبو
زميل قال : حدثني ابن عباس رضي الله عنه قال : كان المسلمون لا ينظرون
إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ! ثلاثة أعطينهن ،
قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان
أزوجكها ، قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال : نعم ،
قال : وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين ، قال : نعم .
قال أبو زميل : ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطاه ذلك ، لأنه لم
يكن يسأل شيئا إلا قال : نعم ( 1 ) .
قال أبو عبيد الله محمد بن أبي نصر الحميدي رحمه الله : قال لنا بعض
الحفاظ : هذا الحديث وهم فيه بعض الرواة ، لأنه لا خلاف بين اثنين من أهل
المعرفة بالأخبار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة رضي الله عنها قبل الفتح
بدهر وهي بأرض الحبشة ، وأبوها كافر يومئذ ( 2 ) .
هامش
( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) ، 16 / 296 ، كتاب ( 44 ) فضائل الصحابة باب ( 40 ) من فضائل أبي
سفيان بن حرب ، رضي الله تعالى عنه ، حديث رقم ( 168 ) .
( 2 ) قال الإمام محي الدين أبو زكريا بن شرف النووي : واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة
بالإشكال ، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة ، وهذا مشهور
لا خلاف فيه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل .
قال أبو عبيدة ، وخليفة بن خياط ، وابن البرقي ، والجمهور : تزوجها سنة ست ، وقيل : سنة سبع ، قال
القاضي عياض : واختلفوا أين تزوجها ، فقيل : بالمدينة بعد قدومها من الحبشة ، وقال الجمهور : بأرض
الحبشة . قال : واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك ، فقيل : عثمان ، وقيل : خالد بن سعيد بن العاص
بإذنها ، وقيل : النجاشي لأنه كان أمير الموضع وسلطانه .
وقال القاضي عياض : والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدا ، وخبرها مع أبي سفيان
حين ورد المدينة في حال كفره مشهور ، ولم يزد القاضي على هذا .
وقال ابن حزم : هذا الحديث وهم من بعض الرواة ، لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم
حبيبة قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة ، وأبوها كافر ، وفي رواية عن ابن حزم أيضا أنه قال : أنه
موضوع . قال : والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، الراوي عن أبي زميل ، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن
الصلاح رحمه الله هذا أيضا على ابن حزم ، وبالغ في الشناعة عليه .
قال : وهذا القول من جسارته فإنه كان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار ، وإطلاق اللسان فيهم .
قال : ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث ، وقد وثقه وكيع ،
ويحيى بن معين ، وغيرهما ، وكان مستجاب الدعوة .
قال : وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة ، لأنه يحتمل أنه سأله
تجديد عقد النكاح تطييبا لقلبه ، لأنه ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه ، أن تزوج بنته بغير
رضاه ، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد ، وقد خفي أوضح من هذا على
أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه ، وطالت صحبته ، هذا كلام أبي عمرو رحمه الله ، وليس في
الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جدد العقد : ولا قال لأبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده ، فلعله صلى الله عليه وسلم أراد
بقوله : نعم ، أن مقصودك يحصل ، وإن لم يكن بحقيقة عقد . والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح
النووي ) : 16 / 296 .