تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ويقال : إن السر في موت ولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حياته ، أنه لو عاش [ لكان نبيا ، ولم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء ] ( 1 ) . وقد أشار حسان بن ثابت إلى هذا في قوله لما مات إبراهيم : مضى ابنك محمود العواقب لم يشن * بعيب ولم يأثم بقول أو فعل رأى أنه لو عاش ساواك في العلا * فآثر أن تبقى فريدا بلا مثل ( 2 ) وقد جاء في حديث أن إبراهيم لو عاش لكان نبيا ، وليس بقوي . وفي صحيح البخاري عن السدي قال : سألت أنس بن مالك كم كان بلغ إبراهيم ابن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : قد كان بلا مهلة ، ولو بقي لكان نبيا ، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء . وقد روى عيسى بن يونس عن أبي خالد قال : قلت : لا تراني أوفى ، أرأيت إبراهيم ابن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : مات وهو صغير ، ولو قرأت يكون بعد محمد نبي لعاش ، ولكنه لا نبي بعد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) ما بين الحاصرتين سياقة مضطرب في ( خ ) ، وقد استدركناه من كتب السيرة والتراجم . ( 2 ) لم أجدهما في ( ديوان حسان بن ثابت ) . ( 3 ) قوله : " لو عاش إبراهيم لكان نبيا " ، ورد عن ثلاثة من الصحابة ، لكن قال النووي في ( التهذيب ) ، في ترجمة إبراهيم : وأما ما روي عن بعض المتقدمين : " لو عاش إبراهيم لكان نبيا " ، فباطل ، وجسارة على الكلام على المغيبات ، ومجازفة ، وهجوم على عظيم . ونحوه قول ابن عبد البر في ( التمهيد ) : لا أدري ما هذا ! فقد ولد نوح عليه السلام غير نبي ، ولو لم يلد النبي إلا نبيا ، لكان كل أحد نبيا ، لأنهم من ولد نوح . لكن قال الحافظ ابن حجر : ولا يلزم من الحديث المذكور ما ذكره لما يخفى ، وكان ابن عبد البر سلف النووي . وقال أيضا : إنه عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة ، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله ، فقال في إنكاره ما قال . وجوابه : أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ، ولا يظن بالصحابي الهجوم على مثل هذا الظن . واعترض الجواب المذكور القاري بأنه بعيد جدا . وقال ابن حجر المكي في ( الفتاوى الحديثية ) : قال السيوطي : صح عن أنس أنه سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن ابنه إبراهيم ، قال : لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقا نبيا . ورواه ابن منده والبيهقي عن ابن عباس ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورواه ابن عساكر عن جابر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وأخرج ابن عساكر أيضا بسنده وقال : فيه من ليس بالقوي عن علي بن أبي طالب : لما توفي إبراهيم أرسل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أمه مارية ، فجاءته ، وغسلته ، وكفنته ، وخرج به ، وخرج الناس معه ، فدفنه ، وأدخل يده في قبره فقال : أما والله إنه لنبي ابن نبي ، وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت ، ثم قال : تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يغضب الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون . وروى أبو داود أنه مات وعمره ثمانية عشر شهرا ، فلم يصل عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . صححه ابن خزيمة . قال الزركشي : اعتل من سلم ترك الصلاة عليه بعلل : منها أنه استغنى بفضيلة أبيه عن الصلاة ، كما استغنى الشهيد بفضل الشهادة . ومنها أنه لا يصلي نبي على نبي ، وقد جاء لو عاش لكان نبيا . ولا بعد في إثبات النبوة له مع صغره ، لأنه كعيسى القائل يوم ولد : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) ، وكيحيى الذي قال تعالى فيه : ( وآتيناه الحكم صبيا ) ، قال المفسرون : نبئ وعمره ثلاث سنين ، واحتمال نزول جبريل بوحي لعيسى وليحيى يجري في إبراهيم ، ويرشحه أنه ( صلى الله عليه وسلم ) صام يوم عاشوراء وعمره ثمانية أشهر ، ثم قال بعد أن نقل عن السبكي كلاما : وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره ، انتهى فاعرفه . وقال في ( المقاصد الحسنة ) : الطرق الثلاثة : أحدها : ما أخرجه ابن ماجة وغيره عن ابن عباس أنه قال : لما مات إبراهيم ابن نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلى عليه وقال : إن له مرضعا في الجنة ، ولو عاش لكان صديقا ، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط ، وما استرق قبطي . وفي سنده إبراهيم بن عثمان الواسطي ضعيف ، ومن طريقه أخرجه ابن منده في ( المعرفة ) ، وقال : غريب . ثانيها : ما رواه إسماعيل السدي عن أنس قال : كان إبراهيم قد ملأ المهد ، ولو بقي لكان نبيا ، ولكن لم يكن ليبقى فإن نبيكم آخر الأنبياء . ثالثها : رواه البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال : قلت لعبد الله بن أبي أوفى أنه قال : رأيت إبراهيم ابن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مات صغيرا ، ولو قضي أن يكون بعد محمد نبي عاش إبراهيم ولكن لا نبي بعده . وأخرجه أحمد عن ابن أبي أوفى أنه كان يقول : لو كان بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نبي ما مات ابنه . قال : وعزاه شيخنا للبخاري من حديث البراء فيه . وروى أحمد والترمذي وغيرهما ، عن عقبة بن عامر رفعه : لو كان بعدي نبي لكان عمر . وورد عن جماعة آخرين . وقال القاري ويشير إلى قوله تعالى : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) : فإنه يومئ إلى أنه لا يعيش له ولد يصل إلى مبلغ الرجال ، فإن ولده من صلبه يقتضي أن يكون لب قلبه ، كما يقال : الولد سر أبيه ، ولو عاش وبلغ أربعين سنة وصار نبيا ، لزم أن يكون نبيا خاتم النبيين . ثم يقرب من هذا الحديث ما رواه أحمد والحاكم عن عقبة مرفوعا : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب . قلت : ومع هذا لو عاش إبراهيم وصار نبيا لكان من أتباعه ، وكذا لو صار عمر نبيا لكان من أتباعه ، كعيسى والخضر وإلياس ، فلا يناقض قوله تعالى : ( وخاتم النبيين ) ، إذ المعنى أنه لا يأتي نبي بعده ينسخ ملته ، ولم يكن من ملته ، وبقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي . وقال النجم : وأورده السيوطي في ( الجامع الصغير ) بلفظ : لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا ، وقال : أخرجه البارودي عن أنس ، وابن عساكر عن جابر ، وعن ابن عباس ، وعن ابن أبي أوفى . ( كشف الخفا ومزيل الالتباس ) : 2 / 156 ، حديث رقم ( 2101 ) ، ( الفوائد المجموعة ) : 398 ، ذكر إبراهيم رضي الله عنه ، حديث رقم ( 135 ) ، ( ضعيف سنن ابن ماجة للألباني ) وقال : هذه الروايات وإن كانت موقوفة فلها حكم الرفع ، إذ هي من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها ، فإذا عرفت هذا يتبين لك ضلال القاديانية في احتجاجهم بهذه الجملة " لو عاش إبراهيم لكان نبيا " ، على دعواهم الباطلة في استمرار النبوة بعده ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأنها لا تصح هكذا عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإن ذهبوا إلى تقويتها بالآثار التي ذكرنا ، كما صنعنا نحن ، فهي تلقمهم حجرا ، وتعكس دليلهم عليهم ، إذ أنها تصرح أن وفاة إبراهيم عليه السلام صغيرا كان بسبب أنه لا نبي بعده ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولربما جادلوا في ذلك - كما هو دأبهم - وحاولوا أن يوهنوا من الاستدلال بهذه الآثار ، وأن يرفعوا عنها حكم الرفع ، ولكن لم ولن يستطيعوا الانفكاك مما ألزمناهم به من ضعف دليلهم هذا ولو من الوجه الأول ، وهو أنه لم يصح عنه ( صلى الله عليه وسلم ) مرفوعا صراحة ( المرجع السابق ) : 115 - 116 ، ( 27 ) باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذكر وفاته ، حديث رقم ( 332 ) ، وحديث رقم ( 333 ) ، ( الأسرار المرفوعة ) : 290 ، حديث رقم ( 379 ) ، ( المقاصد الحسنة ) : 547 - 548 ، حديث رقم ( 893 ) .