فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة - ووهب
يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا - فزوجه آمنة بنت وهب ، وهي يومئذ أفضل
امرأة في قريش نسبا وموضعا ( 1 )
قال : وذكروا أنه دخل عليها حين أملكها ( 2 ) مكانه ، فوقع عليها فحملت
برسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت - وهي أخت
ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى - وهي في مجلسها ، فجلس إليها وقال : مالك
لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت أمس ؟ .
قالت ( 3 ) : فارقك ( 4 ) النور الذي كان فيك ، فليس لي بك اليوم حاجة ،
وكانت فيما زعموا تسمع من أخيها ورقة ابن نوفل - وكان قد تنصر واتبع الكتب -
يقول : إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل ( 5 ) ، فقالت في ذلك شعرا
فذكره ( 6 ) ، واسمها أم قتال بنت نوفل بن أسد .
هامش
( 1 ) [ وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي . وأم برة : أم حبيب بنت أسد بن
عبد العزى بن قصي . وأم حبيب بنت أسد : لبرة بنت عوف بن عبيد بن عدي بن عدي بن كعب
ابن لؤي بن غالب بن فهر ] ما بين الحاصرتين زيادة من ( دلائل البيهقي ) ، و ( ابن هشام ) ، و ( تاريخ
الطبري ) .
( 2 ) كذا في ( خ ) ، وفي ( الطبري ) ، و ( ابن هشام ) ، وفي ( البيهقي ) : ( ملكها ) .
( 3 ) كذا في ( خ ) ، و ( ابن هشام ) ، وفي ( الطبري ) ، و ( البيهقي ) : ( فقالت ) .
( 4 ) في ( البيهقي ) : ( قد فارقك ) .
( 5 ) ( دلائل البيهقي ) : 1 / 102 - 104 ، باب تزوج عبد الله بن عبد المطلب : أبي النبي صلى الله عليه وسلم بآمنة
بنت وهب ، وحملها برسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعها إياه ، ( سيرة ابن هشام ) . 1 / 292 باب ذكر
المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب ، ( تاريخ الطبري ) : 2 / 243 - 244 .
( 6 ) هذا الشعر ذكره البيهقي في ( الدلائل ) ، حيث قالت أم قتال بنت نوفل بن أسد :
آلآن وقد ضيعت ما كنت قادرا * عليه وفارقك الذي كان جاءك
غدوت علي حافلا قد بذلته * هناك لغيري فالحقن بشانكا
ولا تحسبني اليوم خلوا وليتني * أصبت جنينا منك يا عبد داركا
ولكن ذاكم صار في آل زهرة * به يدعم الله البرية ناسكا
وقالت أيضا :
عليك بآل زهرة حيث كانوا * وآمنة التي حملت غلاما
ترى المهدي حين ترى عليه * ونورا قد تقدمه أماما
وقالت أيضا :
فكل الخلق يرجوه جميعا * يسود الناس مهتديا إماما
برأه الله من نور صفاء * فأذهب نوره عنا الظلاما
وذلك صنع ربك إذا حباه * إذا ما سار يوما أو أقاما
فيهدي أهل مكة بعد كفر * ويفرض بعد ذلكم الصياما
قال البيهقي : قلت : وهذا الشئ قد سمعته من أخيها في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن كانت
أيضا امرأة عبد الله مع آمنة .
قال الدكتور عبد المعطي قلعجي محقق ( دلائل البيهقي ) تعليقا على هذا الخبر : خبر غريب موضوع ،
لا سند له ، ولا منطق يؤيده ، ويناقض الأحاديث الصحيحة ، تناقلته كتب السيرة بما دسه عليها أعداء
الإسلام ، من يهود ، وسبيئة ، وشانئين ، ومنافقين .
1 - فرغم ما عرف عن تمسك المؤرخين بالسند ، وأن كل الأخبار الصحيحة وردت بالسند القوي
المتواتر ، فهذا الخبر ليس له سند ، فلا هو بمتصل ، ولا بمرفوع ، لا ، بل نقله ( الطبري ) :
2 / 243 ، [ ابن هشام : 1 / 291 ] ، [ البيهقي : 1 / 102 ] ، [ المقريزي في النسخة ( خ ) من
إمتاع الأسماع ] ، [ بقولهم جميعا ] : ( فيما يزعمون ) .
2 - إن متنه وما تضمنه من حكاية المرأة التي عرضت الزنا على عبد الله وهو حديث عهد بزواج ،
تناقض الأحاديث الصحيحة ، من طهارة وشرف نسب الأنبياء ، وأن هذه الطهارة ، وهذا الشرف
من دلائل نبوتهم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله اصطفى بني كنانة من نبي إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة
قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) .
وهذا الحديث في الترمذي ومسند أحمد ، وأن الله طهره من عهر الجاهلية وأرجاسها ، ووالده عبد الله
كان صورة طبق الأصل من عبد المطلب ، ولو أمهله الزمن لتولى مناصب الشرف التي كانت بيد
عبد المطلب ، وكان شعاره الذي التزمه طيلة حياته :
* أما الحرام فالممات دونه *
رجل هذا شأنه ، هل نطمئن إلى هذه الروايات المزعومة ، وأنه بعد أن دخل بزوجته آمنة ، عاد
فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها : ( مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت
علي بالأمس ؟ ) ! ! .
3 - تخبطت الروايات في اسم المرأة ، فهي مرة امرأة من خثعم ، أم قتال أخت ورقة ابن
نوفل ، ومرة هي ليلى العدوية ، ومرة كاهنة من أهل قبالة متهودة ، ومرة أنه كان متزوجا بامرأة أخرى
غير آمنة . . . الخ هذا التخبط الدال على الكذب ، ولماذا اختار الرواة أخت ورقة ابن نوفل ، أو امرأة
كانت قد قرأت الكتب ؟ ! .
4 - إننا إذا نظرنا إلى الشعر الوارد في هذا الخبر على لسان المرأة ، لوجدناه شعرا ركيكا ، مزيفا ،
مصنوعا ، ملفقا ، مضطرب القافية ، محشورة الكلمات فيه بشكل مصطنع واضح الدلالة على تلفيقه ،
وبهذا كله يسقط هذا الخبر الواهي ، ويدل على هذا قول ابن إسحاق ، والطبري ،
[ والبيهقي ] ، و [ المقريزي ] ، وغيرهم ممن نقلوا الخبر - فيما يزعمون - وهو زعم باطل . ( دلائل
البيهقي ) 1 / 104 - 105 ( هامش ) .