تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
النعمان بن شراحبيل ومعها دايتها حاضنة لها فلما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم قال : هبي نفسك لي قالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ قال : فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن فقالت : أعوذ بالله منك قال : قد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال : يا أبا أسيد ، اكسها رازقين وألحقها بأهلها . وقال الحسين بن الوليد النيسابوري : عن عبد الرحمن ، عن عباس ، عن سهل بن أبيه وأبي أسيد قالا : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها ، فكأنها كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقين . ترجم عليه البخاري باب ( باب من طلق ) ( 1 ) ، هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق ؟ .
هامش
( 1 ) زيادة للسياق من ( المرجع السابق ) . والسوقة بضم السين المهملة ، يقال للواحد من الرعية والجمع ، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه ويصرفهم على مراده ، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي . قال ابن المنير : هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية ، والسوق عندهم من ليس بملك كائنا من كان ، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك ، ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها . وقال غيره : يحتمل أنها لم تعرفه صلى الله عليه وسلم فخاطبته بذلك ، وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال . وسيأتي في الحديث التالي من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال : " ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب ، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها ، فقدمت ، فنزلت في أجم بني ساعدة ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء عليها فإذا امرأة منكسة رأسها ، فلما كلمها قالت : أعوذ بالله منك ، قال : لقد أعذت مني . فقالوا لها : أتدرين من هذا ؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك ، قالت : كنت أشقى من ذلك " . فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب : " ألحقها بأهلها " ، ولا قوله في حديث عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - : " إلحقي بأهلك " تطليقا ، ويتعين أنها لم تعرفه . وإن كانت القصة متعددة - ولا مانع من ذلك - فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب . وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرمي الضعيف ، عن ابن عمر ، قال : " كان في نساء النبي صلى الله عليه وسلم سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا سعيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها : عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر ، قال ابن سعد : اختلف علينا اسم الكلابية فقيل : فاطمة بنت الضحاك بن سفيان ، وقيل : عمرة بنت يزيد بن عبيد ، وقيل : سنا بنت سفيان بن عوف ، وقيل : العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف " . " فقال بعضهم : هي واحدة اختلف في اسمها ، وقال بعضهم : بل كان جميعا ، ولكن لكل واحدة منهم قصة غير قصة صاحبتها " ، ثم ترجم الجونية فقال : أسماء بنت النعمان . ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال : " قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ، فقال : يا رسول الله ، ألا أزوجك أجمل أيم في العرب ، كانت تحت ابن عم لها فتوفي ، وقد رغبت فيك ؟ قال : نعم ، قال : فابعث من يحملها إليك ، فبعث معه أبا أسيد الساعدي ، قال أبو أسيد : فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة ، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة ، فأنزلتها في بني ساعدة ، ووجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته " الحديث . قال ابن عون : وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع ، ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم ، عن أبي أسيد ، قال : " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها " الحديث . ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون ، قيل لها : استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده ، وخدعت لما رؤي من جمالها ، وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حملها على ما قالت ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إنهن صواحب يوسف وكيدهن " . فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد . وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة ، فيمكن أن تنزل على هذه أيضا ، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة ، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة ، فيقوى التعدد ، ويقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة ، والتي في حديث سهل اسمها أسماء ، بل جاء ليخطبها فقط . قوله : " فأهوى بيده " أي أمالها إليها . ووقع في رواية ابن سعد : " فأهوى إليها ليقبلها ، وكان إذا اختلى النساء أقعى وقبل " وفي رواية لابن سعد : " فدخل عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء فقالت : إنك من الملوك ، فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك فاستعيذي منه " ، ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب : " أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها ، وقالت لها إحداهما : إن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول : أعوذ بالله منك " . قوله صلى الله عليه وسلم : " قد عذت بمعاذ " هو بفتح الميم ما يستعاذ به ، أو اسم مكان العوذ ، والتنوين فيه للتعظيم . وفي رواية ابن سعد : " فقال بكمه على وجهه وقال : عذت معاذا ثلاث مرات " وفي أخرى له : " فقال : أمن عائذ الله " . قوله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا أسيد اكسها رازقين " براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به ، والرازقية ثياب من كتاب بيض طوال . قاله أبو عبيدة وقال غيره : يكون في داخل بياضها زرقة ، والرازقي الصفيق . قال ابن التين : متعها بذلك إما وجوبا وإما تفضلا . قوله صلى الله عليه وسلم : " وألحقها بأهلها " قال ابن بطال : ليس في هذا أنه صلى الله عليه وسلم واجهها بالطلاق ، وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة ( أول أحاديث الباب ) ، فيحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : الحقي بأهلك ، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له : ألحقها بأهلها ، فلا منافاة ، فالأول قصد بالطلاق ، والثاني أراد به حقيقة اللفظ ، وهو أن يعيدها إلى أهلها ، لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها كما ذكرناه . ووقع في رواية لابن سعد ، عن أبي أسيد قال : " فأمرني فرددتها إلى قومها " وفي أخرى له : " فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا : إنك لغير مباركة ، فما دهاك ؟ قالت : خدعت . قال : فتوفيت في خلافة عثمان " . قال : " وحدثني هشام بن محمد بن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا " ثم روى بسند فيه الكلبي " أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها ، فأراد عمر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - معاقبتها ، فقالت : ما ضرب علي الحجاب ، ولا سميت أم المؤمنين فكف عنها " . وعن الواقدي : سمعت من يقول : إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها ، قال : وليس ذلك بثبت . ولعله ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق . وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك إليه يسأله ، فكتب إليه : ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كندية إلا أخت بني الجون فملكها . فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يبن بها . فقوله : فطلقها ، يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل ، ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق ، ولعل هذا هو السر في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بت الحكم . واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد ، وامتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها ؟ . والجواب أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة وبغير إذن وليها ، فكان مجرد إرساله إليها ، وإحضارها ، ورغبته فيها كان كافيا في ذلك ، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم " هبي لي نفسك " تطييبا لخاطرها ، واستمالة لقلبها ، ويؤيده قوله في رواية لابن سعد : " أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها ، وأن أباها قال له : إنها رغبت فيك وخطبت إليك " . وفي الحديث أن من قال لامرأته : إلحقي بأهلك وأراد الطلاق طلقت ، فإن لم يرد الطلاق لم تطلق ، على ما وقع في حديث كعب بن مالك الطويل في قصة توبته " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل إليه أن يعتزل امرأته قال لها : إلحقي بأهلك فكوني حتى يقضي الله هذا الأمر " . ( فتح الباري ) مختصرا .