مانع ما وجب عليه ، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا ، وإنما البخيل
مانع ما يجب عليه إعطاؤه وبذله .
الخامسة : أن الله تعالى أمر بالصلاة والسلام عليه ، والأمر المطلق
للتكرار ، ولا يمكن أن يقال : التكرار هو في كل وقت ، فإن الأوامر المكررة
إنما تكرر في أوقات خاصة ، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها ، وليس
وقت أولى من وقت ، فتكرر الأمر بتكرار ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أولى لما تقدم من
النصوص ، وهاهنا ثلاث مقدمات .
المقدمة الأولى : أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا ، وهذه معلومة .
المقدمة الثانية : أن الأمر المطلق يقتضي التكرار ، وهذا مختلف فيه ،
فنفاه طائفة ، وفرقت طائفة بين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت ،
فأثبت التكرار في المعلق دون المطلق ، وهذه الأقوال الثلاثة لأصحابنا ،
ولأصحاب أحمد وغيرهم يقتضي الوجوب ، والنهي يقتضي الفساد ، فإن هذا
معلوم من خطاب الشارع التكرار ، فلا يحمل كلام ، وإن كان لا يفرض لصحة
المنهي عنه ولا فساده في أصل موضع اللغة ، وكذا خطاب الشارع للواحد من
الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون متناولا له ولأمثاله ، وإن كان موضوع
اللفظ لغة لا يقتضي ذلك ، فإن هذه لغة صاحب الشرع ، وعرفه في مصادر
كلامه ، وموارده ، وهذا معلوم بالاضطرار عن دينه قبل أن يعلم صحة القياس ،
واعتباره ، وشروطه ، وهذا فرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة ، وبين
اقتضائه في عرف الشرع وعادة خطابه .
المقدمة الثالثة : إذا تكرر المأمور به فإنه لا يتكرر إلا بسبب ، ولولا
الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم
يصل عليه ، والإمحال عليه بالبخل ، واعطائه اسمه ، ومما يؤيد ذلك أن الله
سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون
عليه لم يكن مرة وانقطعت ، بل هي صلاة متكررة ، ولهذا ذكرها مبينا بها
فضله ، وشرفه ، وعلو مرتبته ، ثم أمر المؤمنين بها ، فتكرارها في حقهم أحق
وأكثر لأجل الأمر ، ولأن الله تعالى أكد السلام بالمصدر الذي هو التسليم ،
وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته ، وذلك بالتكرار ، ولأن لفظ المأمور به
إمتاع الأسماع — صفحة 8
مساهمون: المقريزي
ص٨