تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
فلما وثبت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ، حتى أتيته فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ( 1 ) ، فوضعت سهما في كبد قوسي ، فأردت أن أرميه ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته ، فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، فقال : قم أيا نومان ( 2 ) .
هامش
( 1 ) يصلي ظهره : يدفئه . ( 2 ) النومان : كثير النوم ، ( دلائل البيهقي ) : 3 / 449 - 450 ، باب إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان - رضي الله تبارك وتعالى عنه - إلى عسكر المشركين ، وما ظهر له في ذلك من آثار النبوة بوقوفه ليلتئذ على ما أرسل على المشركين من الريح والجنود ، وتصديق الله - سبحانه - قول نبيه صلى الله عليه وسلم فيما وعد حذيفة من حفظ الله إياه عن الأسر والبرد ، باختلاف يسير في اللفظ ، وأخرجه الإمام مسلم ( في صحيحه ) ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 36 ) غزوة الأحزاب ، حديث رقم ( 1788 ) . قوله : " كنا عند حذيفة ، فقال رجل : لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت ، فقال له حذيفة ما قال " : معناه أن حذيفة فهم منه أنه لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لبالغ في نصرته ، ولزاد على الصحابة - رضي الله تبارك وتعالى عنهم ، فأخبره . بخبره في ليلة الأحزاب ، وقصد زجره عن ظنه أنه يفعل أكثر من فعل الصحابة . قوله : " وأخذتنا تاريخ شديدة وقر " ، هو بضم القاف ، وهو البرد وقوله بعد هذا : " قررت " هو بضم القاف وكسر الراء ، أي بردت ، قوله : " اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي " هو بفتح التاء وبالذال المعجمة ، معناه : لا تفزعهم علي ولا تحركهم علي ، وقيل : معناه لا تنفرهم ، وهو غريب من المعنى الأول ، والمراد : لا تحركهم عليك ، فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضررا علي لأنك رسولي وصاحبي قوله : " فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم " ، يعني أنه لم يجد البرد الذي يجد الناس ، ولا من تلك الريح الشديدة ودعائه صلى الله عليه وسلم له ، واستمر ذلك اللطف به ومعافاته من البرد حتى عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع ووصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس ، وهذه من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم . ولفظة الحمام عربية ، وهو مذكر مشتق من الحميم ، وهو الماء الحار . قوله : " فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره " ، هو بفتح الياء وإسكان الصاد ، أي يدفئه ، ويدنيه فيها ، وهو الصلا ، بفتح الصاد والقصر ، والصلاء بكسرها والمد . وقوله : " كبد القوس " ، هو مقبضها ، وكبد كل شئ وسطه . قوله : " فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها " ، العباءة بالمد والعباية بزيادة ، لغتان ، مشهورتان ، معروفتان ، وفي الحديث : جواز الصلاة في الصوف وهو جائز بإجماع من يعتد به ، وسواء الصلاة عليه وفيه ، ولا كراهية في ذلك . قال العبدري من أصحابنا : وقالت الشيعة : لا تجوز الصلاة على الصوف ، ولا تجوز فيه . وقال مالك : يكره كراهة تنزيه . قوله : " فلم أزل نائما حتى أصبحت قال : قم يا نومان ، ، هو بفتح النون وإسكان الواو ، وهو كثير النوم ، وأكثر ما يستعمل في النداء كما استعمله هنا . قوله : " أصبحت " ، أي طلع الفجر وفي هذا الحديث أنه ينبغي للإمام وأمير الجيش بعث الجواسيس والطلائع لكشف خبر العدو ، والله - تبارك وتعالى - أعلم . ( شرح النووي ) .