تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وأما شفاؤه رضي الله تبارك وتعالى عنه من رمد ببصاق الرسول صلى الله عليه وسلم ودعائه له فخرج البخاري ( 1 ) ومسلم ( 2 ) والنسائي من حديث يعقوب بن عبد الرحمن بن أبي حازم قال : أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر :
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 7 / 605 ، كتاب المغازي ، باب ( 39 ) غزوة خيبر ، حديث رقم ( 4210 ) ، قوله : " لأعطين الراية غدا أو ليأخذن ، الراية غدا " هو شك من الراوي ، والراية يم ، عنى اللواء ، وهو العلم الذي الحرب ، يعرف به موضع صاحب الجيش ، وقد يحمله أمير الجيش ، وقد يدفعه لمقدم العسكر . ( 2 ) من فضائل علي بن أبي طالب - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما ، ولكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس : " كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض " مثلة ، عند الطبراني ، عن بريدة و ، عند ابن عدي ، عن أبي هريرة وزاد " مكتوبا فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، وهو ظاهر في التغاير ، فلعل التفرقة بينهما عرفية ، وقد ذكر ابن إسحاق وكذا أبو الأسود ، عن عروة أن أول ما وجدت الرايات يوم خيبر ، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الأولوية " . قوله : ( يحبه الله ورسوله ) زاد في حديث سهل بن سعد " ويحب الله ورسوله " ، وفي رواية ابن إسحاق " ليس بفرار ، " وفي حديث بريدة " لا يرجع حتى يفتح الله له " . قوله : ( فنحن نرجوها ) في حديث سهل " فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها " وقوله : " يدوكون " بمهملة مضمومة أي باتوا في اختلاط واختلاف ، والدوكة بالكاف : الاختلاط و ، عند مسلم من حديث أبي هريرة " إن عمر قال : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ " ، وفي حديث بريدة " فما منا رجل له منزلة ، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجوا أن يكون ذلك الرجل ، حتى تطاولت أنا لها ، فدعا عليا وهو يشتكي عينه فمسحها ، ثم دفع إليه اللواء ، " ولمسلم من طريق إياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : " فأرسلني إلى علي قال : فجئت به أقوده أرمد فبزق في عينه ، فبرأ " قوله : ( فقيل هذا علي ) كذا وقع مختصرا ، وبيانه في رواية إياس بن سلمة ، عند مسلم ، وفي حديث سهل بن سعد الذي بعده " فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طلب ؟ قالوا : يشتكي عينيه ، قال : فأرسلوا إليه ، فأتوا به " وقد ظهر من حديث سلمة بن الأكوع أنه هو الذي أحضره ، ولعل عليا حضر إليهم بخيبر ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فحضر من المكان الذي نزل به ، أو بعث إليه إلى المدينة فصادف حضوره . قوله : ( فبرأ ) بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب ، ويجوز كسر الراء بوزن علم ، وعند الحاكم من حديث علي نفسه قال : " فوضع رأسي في حجره ، ثم بزق في ألية راحته ، فدلك بها عيني " ، وعند بريدة في " الدلائل البيهقي " فما وجعها علي حتى مضى لسبيله " أي مات ، عند الطبراني من حديث علي : " فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الراية يوم خيبر " ، وله من وجه آخر " فما اشتكيتها حتى الساعة ، قال : ودعا لي فقال : اللهم أذهب ، عنه الحر والقر ، قال فما اشتكيتهما حتى يومي هذا " . قوله : ( فأعطاه ففتح عليه ) في حديث سهل " فأعطاه الراية " ، وفي حديث أبي سعيد ، عند أحمد " فانطلق حتى يفتح الله عليه خيبر وفدك ، وجاء بعجوتهما " وقد اختلف في فتح خيبر هل كان ، عنوة أو صلحا ، وفي حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس التصريح بأنه كان ، عنوة وبه جزم ابن عبد البر ، ورد على من قال فتحت صلحا قال : وإنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائم ، وهو ضرب من الصلح لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال . انتهى . والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر " : إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر ، فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، وله الصفراء والبيضاء والحلقة ، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا " الحديث وفي آخره " فسبى نساءهم وذريتهم ، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا ، وأراد أن يجليهم فقالوا : دعنا في هذه الأرض نصلحها " الحديث أخرجه أبو داود والبيهقي وغيرهما ، وكذلك أخرجه أبو الأسود في المغازي ، عن عروة ، فعلى هذا كان قد وقع الصلح ، ثم حدث النقض منهم فزال أثر الصلح ، ثم من عليهم بترك القتل وإبقائهم عمالا بالأرض ليس لهم فيها ملك ، ولذلك أجلاهم عمر - كما تقدم في فتح فرض الخمس احتجاج الطحاوي على أن بعضها صلحا بما أخرجة هو وأبو داود من طريق بشير بن يسار " : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه ، وقسم نصفها بين المسلمين " وهو حديث اختلف في وصله وإرساله ، وهو ظاهر في أن بعضها فتح صلحا ، والله أعلم . قوله : في حديث سهل ( فقالوا علي يا رسول الله ، أقاتلهم ) هو بحذف همزة الاستفهام . قوله : ( حتى يكونوا مثلنا ) أي حتى يسلموا قوله : ( فقال انفذ ) بضم الفاء بعدها معجمة . قوله : ( على رسلك ) بكسر الراء أي على هينتك . قوله : ( ثم ادعهم إلى الإسلام ) ووقع في حديث أبي هريرة ، عند مسلم " فقال علي يا رسول الله علام أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " واستدل بقوله : " ادعهم " أن الدعوة شرط في جواز القتال ، والخلاف في ذلك مشهور فقيل : يشترط مطلقا ، وهو ، عن مالك سواء من بلغتهم الدعوة أولم تبلغهم ، قال : إلا أن يعجلوا المسلمين ، وقيل : لا مطلقا و ، عن الشافعي مثله ، وعنه لا يقاتل من لم تبلغهم حتى يدعوهم ، وأما من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء ، وهو مقتضى الأحاديث ، ويحمل ما في حديث سهل على الاستحباب بدليل أن في حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أغار على أهل خيبر لما لم يسمع النداء ، وكان ذلك أول ما طرقهم ، وكانت قصة علي بعد ذلك ، وعن الحنفية تجوز الإغارة عليهم مطلقا وتستحب الدعوة . قوله : ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلا إلخ ) يؤخذ منه تألف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله ( فتح الباري ) ، هي الإبل الحمر ، وهي أنفس أموال العرب ، يضربون بها المثل في نفاسة الشئ وأنه ليس هناك أعظم منه ، وقد سبق بيان أن تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا ، وإنما هو التقريب من الأفهام ، وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها لو تصورت ، وفي هذا الحديث بيان فضيلة العلم والدعاء إلى الهدى وسن السنن الحسنة ( شرح النووي ) .