تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
المراد ما ما كنت تدري ما الكتاب . ولا كيفية ماهية الإيمان وحقيقته ، ولا يلزم من كونه مؤمنا معرفة ذلك ، بدليل أن أكثر الناس هم كذلك ، أو ما كنت تدري ما الكتاب ولا الدعاء إلى الإيمان ، إذ كيفية دعاء الناس إلى الإيمان ، إنما تعلم بالوحي ، فقبل الوحي من أين تعلم ؟ ولا يلزم من كون الإنسان مؤمنا في نفسه أن يدري كيف يدعو إلى ما يدعو غيره لجواز أن يتعبد الله - تعالى - كل إنسان بأمر غير ما تعبد به الآخر ، اختص النبي صلى الله عليه وسلم بخواص تعبد لم تكن لغيره . قال القاضي عياض : قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان والوحي ، وعصمتهم في ذلك - على ما بيناه - فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم ، فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة وإنما احتوت من المعرفة بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه ، ومن طالع الأخبار واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه ، وجده إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف ، فأما ما تعلق منها بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء - عليهم السلام - العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه ، ولا وصم عليهم فيه إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأسبابها وأمر الشريعة وقوانينها ، وأمور الدنيا تضادهم بخلاف غيرهم الذين : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ( 1 ) ، كما سنبين - إن شاء الله تعالى - ولكنه لا يقال إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا ، فإن ذلك يؤدي إلى الغفلة والبله ، وهم المنزهون عنه ، بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا ، وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم ، وهذا لا يكون مع هدم العلم بأمور الدنيا بالكلية ، وأحوال الأنبياء وسيرتهم في هذا الباب معلومة ، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة ، وإن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين ، فلا يصح من النبي إلا العلم ، ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله - تعالى - فهو ما لا يصح الشك منه على ما قدمناه ، فكيف الجهل ؟ بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده ، فلما لم ينزل عليه فيه شئ على القول بتجويز الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين ، وعلى مقتضى حديث
هامش
( 1 ) الروم : 7 .