تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، ولكن ليجتهد رأيه ، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا ، لأن الله كان يريه إياه ، وهو منا الظن والتكليف . وقال الماتريدي : قوله : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) ، أي موافقا لما هو الحق في فعل كل أحد ، وهو التكليف دون الأعمال ، أو بما له عاقبة حميدة ، لأن ما ليس كذلك عبث وباطل ، أو مبينا بما هو الحق لله على العباد ، وبما لبعضهم على بعض ، ليعملوا بذلك ، أو بيانا لأمر هو حق كائن ثابت ، وهو البعث والقيامة ، ليتزودوا له ، أو مما يحمد عليه فاعله ، أو بالعدل والصدق على الأمن من التغيير والتبديل ، بما أراك الله وألهمك . وفيه دليل على جواز اجتهاده كالنص ، لأن الله - تعالى - أخبر أنه يريه ذلك ، ولا يريه غير الصواب . وقال ابن حيان : معنى قوله : ( بما أراك الله ) ، يريد به بما أراك الله - تعالى - من القرآن وعلمك إياه ، وقال الأثير أبو حيان : ومعنى : ( بما أراك الله ) بما أعلمك من الوحي ، وقيل : بالنظر فإنه صلى الله عليه وسلم محروس في اجتهاده معصوم الأقوال والأفعال ، وقيل : بما ألقاه في قلبك من أنوار المعرفة ، وصفاء الباطن ، واحتج من أجاز ذلك أيضا بأن منصب الاجتهاد في الأحكام منصب كمال ، فلا ينبغي أن يفوته صلى الله عليه وسلم . وقد دل على وقوعه منه قوله صلى الله عليه وسلم : لو قلت : نعم ، لو جبت ، وقوله : لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها ، في قضيتين مشهورتين : أما القضية الأولى : فخرج مسلم ( 1 ) من حديث يزيد بن هارون عن الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - قال :
هامش
( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 9 / 108 - 110 ، كتاب الحج ، باب ( 73 ) فرض الحج مرة في العمر ، حديث رقم ( 1337 ) . قوله صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله فسكت ، حق قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت : نعم لو جبت ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ ، فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ) هذا الرجل السائل هو الأقرع بن حابس كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية واختلف الأصوليون في أن الأمر هل يقتضي التكرار ، والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه ، والثاني يقتضيه ، والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا بمنعه ، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف ، لأنه سأل فقال : أكل عام ؟ ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا حاجة إلى السؤال ، بل مطلقه محمول على كذا ، وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارا واحتياطا ، وقوله : " ذروني ما تركتكم " ظاهر في أنه يقتضي التكرار . قال الماوردي : ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر ، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر ، قال : وقد تعلق بما ذكرناه عن أهل اللغة ههنا من قال بإيجاب العمرة ، وقال : لما كان قوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت ) يقتضي تكرار قصد البيت بمحكم اللغة والاشتقاق ، وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب إلا مرة كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة ، لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة بأصل الشرع . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ففيه دليل للمذهب الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام ، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي ، وقيل : يشترط ، وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحى إليه ذلك ، والله أعلم . قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذروني ما تركتكم ) دليل على أن الأصل عدم الوجوب ، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع ، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : فإذا أمرتكم بشئ فاتوا منه استطعتم هذا من قواعد الإسلام المهمة ، ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي ، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل الممكن ، وإذا وجد بعض ما يكفيه جماعة من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن ، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحوه ، وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن ، وأشباه هذا منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه ، والمقصود التنبيه على أصل ذلك . وهذا الحديث موافق لقول الله - تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، وأما قوله - تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) ، ففيه مذهبان : أحدهما أنها منسوخة بقوله - تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، والثاني - وهو الصحيح أو الصواب - وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة ، بل قوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) مفسرة ومبينة للمراد بها ، قالوا : وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نهيه ولم بأمر - سبحانه وتعالى - إلا بالمستطاع قال الله - تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . وقال - تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، والله أعلم . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ) ، فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الاكراه ، أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك ، فهذا ليس منهيا عنه في هذه الحال والله أعلم ، وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع وقد تجب زيارة بالنذر ، وكذا إذا أراد دخول الحرم لحاجة لا تكرر كزيارة وتجارة - على مذهب من أوجب الإحرام لذلك - بحج أو عمرة .