تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
أحدهما مائة دون الآخر ، وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبتت حدوث الجواهر ، لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة . وينتظم البرهان هكذا : الجواهر لا تفارق الحوادث ، وكل ما لا يفارق الحوادث حادث . فالجوهر حادث ، والعالم إما جواهر وإما أعراض ، وقد ثبت حدوثها فالعالم المؤلف منهما بأسره حادث . والحادث : إما أن يكون الموجد له هو ، وهو محال أو غيره ، فهو إما حادث فيلزم الدور أو التسلسل أو قديم ، وهو المطلوب كما سبق تقريره ، فهذه الطريقة العامة في إثبات حدوث العالم وقدم الصانع ، فهي مستفادة من إبراهيم - عليه السلام - في مقامه هذا النظري ، ولقد أوتي رشده من قبل ، ومتكلمو الإسلام تلاميذه في هذه الطريقة ، وهي أيسر الطرق وأحسنها ، والرشد الإبراهيمي عليها ظاهر ، ونور برهانها ساطع باهر ، وحاجه قومه هذه المحاجة إنما تقومت بإبراهيم وقومه ، لأنها مفاعلة تستدعي أكثر من فريق واحد ، ففيها أدل دليل على الحجاج والجدال في طلب الحق في أصول الدين وفروعه ، اقتداء بإبراهيم - عليه السلام . قال القاضي عياض - رحمه الله : فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى : ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) ( 1 ) ، ثم قال - تعالى - بعد عن الرسل : ( فقد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ) ؟ فلا يشكل عليك لفظة العود ، وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم ، فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس له ابتداء بمعنى الصيرورة ، كما جاء في حديث الجهنميين عادوا حمما ، ولم يكونوا قبل كذلك ومثله قول الشاعر : * فعادا بعد أبوالا *
هامش
( 1 ) إبراهيم : 13 .