تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
بالتخفيف ، أي أخلفهم الله وعده في النصر ، وأنهم ليسوا على شئ ( جاءهم نصرنا ) ، بإنجائهم ومن أتبعهم وإهلاك الكافرين . وقد أنكرت عائشة هذا التأويل ، تنزيل للأنبياء - عليهم السلام - من الشك في أمرهم ، واختارت الوجه الأول أو نحوه ، وليس ما أنكرته بالمنكر ، إذ الإنسان يطرأ عليه خوف ، أو حزن ، أو مرض ، أو هم ، أو غم ، أو أحوال ، يقول ويظن فيها أقوالا وظنونا ، هو فيها معذور لغلبة ذلك الحال . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما تراخى عنه الوحي في مبادئ أمره ، خرج ليتردى من شواهق الجبال وجدا لانقطاع الوحي ، والرسل - عليهم السلام - يوم القيامة ، يقال لهم : ماذا أجبتم ؟ فيقولون : لا علم لنا ينسون أو يدهشون ، لغلبة تلك الحال عليهم ، ثم يتذكرون فيشهدون بما علموا فكذا ظن الرسل هنا أنهم قد كذبوا ، هو من هذا الباب ، والله - تبارك وتعالى - أعلم . قال كاتبه : هذه - لعمري - وهلة من وهلات الطوفي ، إذ سوى الرسل بسائر البشر في غلبة الحال عليهم حتى بالله يظنوا السوء ، وقد عصمهم الله من ذلك ، ومما دونه أيضا . قال القاضي عياض : وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبتدأ الوحي من قوله لخديجة - رضي الله تبارك وتعالى عنها : لقد خشيت على نفسي ، ليس معناه الشك فيما أتاه الله بعد رؤية الملك ، ولكن لعله يخشى أن لا تتحمل قوته مقاومة الملك ، وأعباء الوحي لينخلع قلبه أو تزهق نفسه ، هذا على ما ورد في الصحيح أنه قال بعد لقاء الملك أو يكون ذلك قبل لقياه الملك وإعلام الله - تعالى - بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب ، وسلم عليه الحجر والشجر ، وبدأته المنامات والتباشير ، كما ورد في بعض طرق هذا الحديث ، أن ذلك كان أولا في المنام ثم أري في اليقظة مثله ، تأنيا له صلى الله عليه وسلم لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة ، فلا تتحمله لأول حاله بنيته البشرية . وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، قالت : ثم حبب إليه الخلاء ، وقالت : إلى أن جاءه الحق ، وهو في غار حراء ، الحديث - وعن ابن عباس - رضي الله تبارك وتعالى عنه - مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة