ولا يجوز أن يكون العامل فيه لفظ الوصية المذكورة في الآية لأنها مصدر ، والمصدر
لا يتقدم عليه معموله ، وهذا الذي يسمى التبيين ، وأما قوله ( إن ترك خيرا )
فجوابه عند الأخفش ( الوصية ) وتحذف الفاء ، أي فالوصية للوالدين ، واحتج
بقول الشاعر :
من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان
فالوصية على هذا مبتدأ ، و ( وللوالدين ) خبره ، وقال غيره : جواب
الشرط في المعنى ما تقدم من معنى كتب الوصية ، كما تقول : أنت ظالم إن فعلت ،
ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب ، وهذا مستقيم على
قول من رفع الوصية بكتب وهو الوجه ، وقيل المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو
عليكم ، وليس بشئ ( بالمعروف ) في موضع نصب على الحال : أي ملتبسة
بالمعروف لا جور فيها ( حقا ) منصوب على المصدر : أي حق ذلك حقا ، ويجوز
أن يكون صفة لمصدر محذوف : أي كتبا حقا أو إيصاء حقا ، ويجوز في غير القرآن
الرفع بمعنى ذلك حق ، و ( على المتقين ) صفة لحق ، وقيل هو متعلق بنفس المصدر
وهو ضعيف ، لأن المصدر المؤكد لا يعمل ، وإنما يعمل المصدر المنتصب بالفعل
المحذوف إذا ناب عنه كقولك : ضربا زيدا : أي اضرب .
قوله تعالى ( فمن بدله ) من شرط في موضع رفع مبتدأ ، والهاء ضمير
الإيصاء لأنه بمعنى الوصية ، وقيل هو ضمير الكتب ، وقيل هو ضمير الأمر بالوصية
أو الحكم المأمور به ، وقيل هو ضمير المعروف ، وقيل ضمير الحق ( بعد
ما سمعه ) " ما " مصدرية ، وقيل هي بمعنى الذي : أي بعد الذي سمعه من النهى عن
التبديل ، والهاء في ( إثمه ) ضمير التبديل الذي دل عليه بدل .
قوله تعالى ( من موص ) يقرأ بسكون الواو وتخفيف الصاد ، وهو من أوصى
وبفتح الواو وتشديد الصاد وهو من وصى وكلتاهما بمعنى واحد ، ولا يراد بالتشديد
هنا التكثير ، لأن ذلك إنما يكون في الفعل الثلاثي إذا شدد ، فأما إذا كان التشديد
نظير الهمزة فلا يدل على التكثير ، ومثله نزل وأنزل ، ومن متعلقة بخاف ، ويجوز
أن تتعلق بمحذوف على أن تجعل صفة لجنف في الأصل ، ويكون التقدير : فمن خاف
جنفا كائنا من موص ، فإذا قدم انتصب على الحال ، ومثله أخذت من زيد مالا .
إن شئت علقت " من " بأخذت وإن شئت كان التقدير : مالا كائنا من زيد .
إملاء ما من به الرحمن — صفحة 79
مساهمون: أبو البقاء العكبري
ص٧٩