بقيادة الحصين بن نمير ، ثم بثمانية آلاف ، بقيادة ابن ذي الكلاع ، فأحاطوا
بالتوابين من كل جانب ، ورأى سليمان ما يلقى أصحابه من شدة ، فترجل عن
فرسه ، وهو يومئذ في الثالثة والتسعين من عمره ، وكسر جفن سيفه ، وصاح
بأصحابه : يا عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ، والتوبة من ذنبه ، والوفاء
بعهده ، فليأت إلي .
واستجاب له الكثيرون ، وحذوا حذوه ، وكسروا جفون سيوفهم ، وقتلوا
من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى أصيب أميرهم سليمان بسهم ، فوثب ووقع ، ثم
وثب ووقع ، وهو يقول فزت ورب الكعبة ، وحمل الراية بعده المسيب بن
نجية فقاتل بها حتى استشهد ، رحمه الله ، وانتهت المعركة إلى جانب أهل
الشام ، بعد أن ترك التوابون أمثلة رائعة للبطولة والفداء ، التي استمدت روحها
من مواقف الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه ، والتي لها صداها في النفوس ،
وأثرها القوي في التاريخ الإنساني كله ( 1 ) .
وهكذا يرى كثير من المؤرخين أن التشيع - كعقيدة - إنما يبدأ بعد مأساة
كربلاء ، يقول ستروثمان في دائرة معارف الإسلام : إن دم الإمام الحسين الذي
أراقته سيوف الحكومة القائمة ، إنما يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة ( 2 ) ،
والأمر كذلك بالنسبة إلى ول ديورانت الذي يرى أن نشأة طائفة الشيعة ، إنما
كان على أثر مقتل الحسين وأسرته ( 3 ) .
ويقول الدكتور الخربوطلي : كانت هناك نتائج دينية هامة تخلفت عن
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 551 - 563 ، 5 / 583 - 609 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 175 - 189 ،
المسعودي : مروج الذهب 2 / 83 - 86 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 257 ، ابن كثير : البداية والنهاية
8 / 271 - 277 ، أسد الغابة 2 / 18 - 23 ، البلاذري : أنساب الأشراف 5 / 204 - 214 ، علي
النشار : المرجع السابق ص 21 ، محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193 .
( 2 ) دائرة معارف الإسلام 3 / 350 .
( 3 ) ول ديورانت : قصة الحضارة 4 / 32 .