وهكذا فإن دماء الإمام الحسين الطاهرة - فضلا " عن دماء أهل بيته - إنما
هي التي أنبتت العقيدة الشيعية في صورتها النهائية ، فلقد أدرك الشيعة - بعد
كارثة كربلاء - أن لا قبل لهم بمقاومة جيوش بني أمية بالقوة والسيف - خاصة
وقد رأوا ما فعلت جيوش اللئام بالمدينة المنورة ومكة المكرمة - ومن ثم فقد
استعانوا على أمرهم بمبدأ التقية ، ثم تحول الشيعة أيضا " ، بعد كارثة كربلاء ،
إلى مقاومة الأمويين بقوة أخرى - غير قوة السلاح - قوة معنوية ، لا تصمد لها
أيديولوجية الدولة الأموية في الحكم ، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين ،
فأصبح في الناس عقيدة ( 1 ) .
وهكذا قامت حركة التوابين بقيادة الصحابي الجليل - سليمان بن
صرد ( 2 ) - الذي سمي أمير التوابين ، حيث جمع أنصاره في النخيلة في ربيع
الآخر عام 65 ه ، وسار بهم إلى قبر الإمام الحسين ، وطبقا " لرواية ابن الأثير فما
أن وصلوا إلى القبر الشريف ، حتى صاحوا صيحة واحدة ، فما رؤي أكثر باكيا "
من ذلك اليوم ، فترحموا عليه ، وتابوا عنده من خذلانه ، وترك القتال معه ، ثم
نادوا - فيما يروي الطبري - يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما
مضى منا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا " وأصحابه ،
الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تعفر
لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ثم أقاموا عنده يوما " وليلة يبكون ويتضرعون
ويترحمون عليه وعلى أصحابه .
واتجه سليمان بجيشه نحو الشام ، حتى إذا ما وصلوا إلى عين الوردة
دارت رحى الحرب بينهم وبين جند الشام ، وأبلى التوابون بلاء " حسنا " ، فكان لهم
النصر أول الأمر ، غير أن ابن زياد سرعان ما أمد جيش الشام باثني عشر ألفا " ،
هامش
( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 47 - 48 ، وانظر 335 . P , III , Encyclopedia of Islam .
( 2 ) أنظر عن سليمان بن صرد ( أسد الغابة 2 / 449 - 450 ، الإصابة في تمييز الصحابة 2 / 75 - 76 ،
الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65 ) .