وكتب لمروان بخمس مصر ، وأعطى أقرباءه المال ، وتأول في ذلك الصلة التي
أمر الله بها ، واتخذ المال ، واستلف من بيت المال .
وقال : إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما ، وإني أخذته فقسمته
في أقربائي ، فأنكر الناس عليه ، وعن أم بكر بنت المسور عن أبيها عن أبيها قال : سمعت
عثمان يقول : أيها الناس ، إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف
أنفسهما وذوي أرحامهما وإني تأولت فيه صلة رحمي ( 1 ) .
ومن عجب أن صلة رحم عثمان بأهله وبره بهم ، إنما كانت من الأسباب
التي أدت إلى تغيير مجرى الأحداث ، حتى انتهت بقتله شهيدا " بين يدي
كتاب الله ، فلقد استغل بنو أمية أدب ذي النورين في صلة رحمه ، أسوأ
استغلال ، فكان عثمان - وهو القانت ذو النورين - يصوم الدهر ، وما يكاد يشبع
من طعام ، ثم يمنح أبا سفيان مائتي ألف دينار ( 2 ) ، ويسمح لأعوانه أن يتخذوا
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد 3 / 44 ( دار التحرير - القاهرة 1969 ) .
( 2 ) ليس صحيحا " ما ذهبت إليه بعض المراجع عن غنى أبي سفيان وثروته الطائلة من التجارة على
أيام الجاهلية وأول الإسلام ، ودليلنا أن ولده معاوية بن أبي سفيان كان على أيام النبي صلى الله عليه وسلم ،
فقيرا " وربما معدما " ، وقد روى أهل الفقه والحديث والمغازي وأصحاب الطبقات ما يدل على
ذلك في قصة فاطمة بنت قيس ، حيث روى الأئمة مالك ومسلم وأبو داود وابن قيم الجوزية
وابن سعد وابن الأثير وابن حجر العسقلاني ، واللفظ هنا للإمام مالك ، حيث يروي في الموطأ
( باب ما جاء في نفقة المطلقة ) بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن فاطمة بنت
قيس : أن أبا عمر بن حفص طلقها البتة - وهو غائب بالشام - فأرسل إليها وكيلة بشعير فسخطته ،
فقال : والله ما لك علينا من شئ ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فقال : ليس لك
عليه نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتد عند
عبد الله بن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك عنده ، فإذا حللت فأذنيني ، قالت : فلما
حللت ذكرت له : أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام ، خطباني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك ، لا مال له ، انكحي أسامة بن
زيد ، فنكحته ، فجعل الله في ذلك خيرا " ، واغتبطت به ( الموطأ ص 358 - 359 ، صحيح مسلم
10 / 94 - 98 ، سنن أبي داود 1 / 531 - 532 ، ابن الأثير : أسد الغابة 7 / 230 ، ابن حجر :
الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 497 - 498 ، ابن قيم الجوزية : زاد المعاد 5 / 185 - 186 ، ابن
سعد : الطبقات الكبرى 8 / 200 .
وروى الطبري وابن الأثير وابن أبي الحديد بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قالوا : إن هند
ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف
درهم ، تتجر فيها وتضمنها ، فأقرضها ، فخرجت فيها إلى بلاد كلب ، فاشترت وباعت ، فبلغها أن
أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية ( وكان أميرا " في الشام ) فعدلت إليه من بلاد
كلب ، فأتت معاوية - وكان أبو سفيان قد طلقها ، قال : ما أقدمك أي أمة ؟ قالت النظر إليك أي
بني ، إنه عمر ، وإنما يعمل لله ، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شئ ، وأهل ذلك
هو ، فلا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبونك ، عمر ، فلا يستقيلها أبدا " ، فبعث إلى أبيه
وأخيه بمائة دينار ، وكساهما وحملهما ، فتعظمها عمر ، فقال أبو سفيان : لا تعظمها ، فإنه عطاء
لم تغب عنه هند ، ومشورة قد حضرتها هند ، ورجعوا جميعا " ، فقال أبو سفيان لهند : أربحت ؟
فقالت : الله أعلم ، معي تجارة إلى المدينة ، فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة ، فقال لها
عمر : لو كان مالي لتركته لك ، ولكنه مال المسلمين ، هذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان ،
فبعث إليه ، فحبسه حتى أوفته ، وقال لأبي سفيان : بكم أجازك معاوية ، فقال : بمائة دينار
( تاريخ الطبري 4 / 221 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 62 ، ابن أبي الحديد : شرح نهج
البلاغة 12 / 98 ) .