النفس ، دون فائدة ، وللمرء أن يضحي بنفسه أو يحافظ عليها ، ولكن يحرم
العمل بالتقية ، إن كان ذلك ترويجا " للباطل ( 1 ) .
ويذهب الشيخ المفيد ( 333 ه / 944 م - 414 ه / 1022 م ) إلى أن التقية
جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقد تجوز في حال دون حال ،
للخوف على المال ، ولضروب من الاستصلاح ( 2 ) .
هذا فضلا " عن أنها واجبة في الأقوال كلها عند الضرورة ، وربما وجبت
فيها ، الضرب من اللطف والاستصلاح ، وليس يجوز من الأفعال في قتل
المؤمنين ، ولا فيما يعلم أو يغلب أنه فساد في الدين ( 3 )
وهكذا كانت التقية واحدة من أهم عقائد الشيعة الإمامية ، فرضتها الظروف
السياسية ، وما صاحبها من اضطهاد الشيعة ، فاتقوا السلطان حفظا " للأرواح وقد
أصبحت التقية صفة خاصة للشيعة الإمامية ، وقد دانوا بها ، امتثالا " لأمر الأئمة ،
فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال : من لا تقية له ، لا دين له ( 4 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التقية إنما بدأت مع أحد
الضعفاء ، وكما أشرنا من قبل ، مع سيدنا عمار بن ياسر ( 5 ) ، رضي الله عنه ،
هامش
( 1 ) العاملي : أعيان الشيعة 11 / 154 - 160 .
( 2 ) محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد : أوائل المقالات في المذاهب والمختارات
ص 96 ( ط تبريز 1371 ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 97 .
( 4 ) الطبرسي : مشكاة الأنوار في غرر الأخبار - النجف - 1951 ص 39 وما بعدها .
( 5 ) ليس صحيحا " ما ذهب إليه الدكتور الشيبي من أن عمار بن ياسر ، رضي الله عنه ، كان عبدا "
سابقا " ، كما أنه ليس صحيحا " أن قصة تعذيبه كانت بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة
المنورة ، قال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر : إن ياسرا " والد عمار عرني قحطاني
مذحجي من عنس ، إلا أن ابنه عمار كان مولى لبني مخزوم ، لأن أمه سمية كانت أمة لبعض بني
مخزوم ، وعن مجاهد : إن أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب
وصهيب وعمار وأمه سمية ، وعذبت أسرة ياسر في الله عذابا " شديدا " ، وفي عمار نزلت : * ( من
كفر بالله من بعد إيمانه * إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ، ومن المعروف أن الآية مكية
والسورة مكية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يمر بعمار وأمه وأبيه ، وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء
مكة ، فيقول : صبرا " آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة .
وهاجر عمار إلى المدينة ، وشهد بدرا " واحد والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
أول من بنى مسجدا " في الإسلام .
وظهر يوم اليمامة ، واستعمله عمر بن الخطاب أميرا " على الكوفة ، وكان من محبي الإمام
علي بن أبي طالب وآل البيت ، وحضر معه الجمل وصفين ، واستشهد في صفين عام 37 ه
( 657 م ) وكان عمره 94 أو 93 أو 91 سنة ( أنظر : أسد الغابة 4 / 139 - 135 ، أنساب الأشراف
1 / 156 - 175 ) .