ومن عجب أن هؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء الذين تزاحموا على
الغنائم واستأثروا بالكثير منها ، لم يغنوا عن الإسلام شيئا " في مآزقه الأولى ، بل
كانوا هم العقبات الصلدة التي اعترضت مسيله ، حتى تحطمت تحت معاول
المؤمنين الراغبين في ثواب الآخرة ، المؤثرين ما عند الله ، ولكنهم اليوم - بعدما
أعلنوا إسلامهم - يبغون من النبي أن يفتح لهم خزائن الدنيا ، فحلف لهم أنه ما
يستبقي منها شيئا " لشخصه ، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا " ، لوزعه عليهم .
ومن عجب أيضا " - بل هو أكثر عجبا " - أن الذين فروا عند الفزع ، هم
الذين كثروا عند الطمع ، وأعجب العجب أن أبا سفيان بن حرب ، كان أول من
تقدم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يعطيه من الفئ ، وهو نفسه الذي كان يصيح
فرحا " ، عندما كانت الهزيمة - في أول المعركة - تطل بوجهها القبيح على جيش
المسلمين ، والأزلام التي كان يستقسم بها في الجاهلية ، ما تزال في كنانته ،
يصيح لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وعندما تكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من
الإبل ، وبأربعين أوقية من فضة ، لم يشبع ذلك نهمه ، وإنما طلب لابنه يزيد
مثلها ، وحين أجيب إلى سؤله طلب مثلها لابنه الآخر معاوية ، وهكذا أخذ أبو
سفيان وولداه يومئذ ثلاثمائة من الإبل ، ومائة وعشرين أوقية من الفضة .
وهكذا فإن هناك أقواما " كثيرين ، يقادون - كما يقول الأستاذ الغزالي - إلى
الحق ، من بطونهم ، لا من عقولهم ، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة
برسيم ، تظل تمد إليها فمها ، حتى تدخل حظيرتها آمنة ، فكذلك هذه الأصناف
من البشر ، تحتاج إلى فنون من الإغراء ، حتى تستأنس بالإيمان ، وتهش له .
روى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة
شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أثرت به حاشية الرداء من
شدة جذبته قال : مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر له
بعطاء .
الإمامة وأهل البيت — صفحة 228
مساهمون: محمد بيومي مهران
ص٢٢٨