هذا وقد ثبت أن من المعاريض المندوحة عن الكذب ، روى الأعمش عن
إبراهيم النخعي ( 50 ه / 670 م - 96 ه / 715 م ) أنه قال : لا بأس إذا بلغ الرجل
عنك شئ أن تقول : والله ، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شئ ، قال
عبد الملك بن حبيب : معناه أن الله يعلم أن الذي قلت ، وهو في ظاهره انتفاء
من القول ، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ، ولا كذب عليه في كلامه .
وقال النخعي : كان لهم كلام من ألغاز الإيمان يدرأون به عن أنفسهم ، لا يرون
ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث ، قال عبد الملك : وكانوا يسمون ذلك
المعاريض من الكلام ، إذا كان ذلك في غير مكر ، ولا خديعة في حق ، وقال
الأعمش : كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه ، جلس في مسجد
بيته ، وقال لجاريته : قولي له : هو والله في المسجد ( 1 ) .
2 - التقية في السنة :
تظهر التقية - بأجلى معانيها - في قصة الصحابي الجليل عمار بن ياسر
رضوان الله عليه ، روى الحافظ ابن كثير في تفسيره قال : روى العوفي عن
ابن عباس أن آية * ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( 2 ) ، نزلت في عمار بن
ياسر ، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فوافقهم على ذلك مكرها " ،
وجاء معتذرا " إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية ، وهكذا قال الشعبي وقتادة
وأبو مالك .
وروى ابن جرير بسنده عن أبي عبيد محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ
المشركون عمار بن ياسر فعذبوه ، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا " بالإيمان ، قال
النبي صلى الله عليه وسلم : إن عادوا فعد .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ص 3805 - 3807 .
( 2 ) سورة النحل : آية 106 .