قال قدس الله سره : " فاعلم أن الظاهر أن كثيرا من القدماء لا سيما
القميين منهم والغضائري ، كانوا يعتقدون للأئمة ، عليهم السلام منزلة خاصة
من الرفعة والجلالة ، ومرتبة معينة من العصمة والكمال ، بحسب اجتهادهم
ورأيهم وما كانوا يجوزون التعدي عنها ، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعا وغلوا
حسب معتقدهم ، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوا ، بل ربما جعلوا
مطلق التفويض إليهم ، أو التفويض الذي اختلف فيه ، أو المبالغة في
معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم ، أو الاغراق في شأنهم
وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص ، وإظهار كثير قدرة لهم ، وذكر
علمهم بمكنونات السماء والأرض ، ( جعلوا كل ذلك ) ارتفاعا مورثا للتهمة به ،
لا سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين .
وبالجملة ، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية
أيضا ، فربما كان شئ عند بعضهم فاسدا ، أو كفرا ، أو غلوا ، أو تفويضا ،
أو جبرا ، أو تشبيها ، أو غير ذلك ، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده أو لا هذا
ولا ذاك .
وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها
منهم كما أشرنا آنفا أو ادعاء أرباب المذاهب كونهم منهم ، أو روايتهم
عنه ، وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه ، إلى غير ذلك ، فعلى هذا ربما
يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الأمور المذكورة .
ومما ينبه بذلك على ما ذكرنا ملاحظة ما سيذكر في تراجم كثيرة مثل
ترجمة إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن نوح ، وأحمد بن محمد بن أبي
نصر ، ومحمد بن جعفر بن عوف ، وهشام بن الحكم ، والحسين بن شاذويه ،
والحسين بن زيد وسهل بن زياد ، وداود بن كثير ، ومحمد بن أورمة ، ونصر
بن الصباح ، وإبراهيم بن عمر ، وداود بن القاسم ، ومحمد بن عيسى بن
عبيد ، ومحمد بن سنان ، ومحمد بن علي الصيرفي ، ومفضل بن عمر ،
كليات في علم الرجال — صفحة 430
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٣٠