وأما إذا كانت الشهادة منتهية إلى نفس الشيخ ، وكانت شهادته على أنهم
لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة ، مبينة على استقرائه في مشايخهم ، فلا تعتد
بها إذا تبين الخلاف ، واعلم أنهم يروون عن غير الثقة أيضا ، إذ عندئذ يتبين أن
استقراء الشيخ كان استقراء ناقصا غير مفيد لامكان انتزاع الضابطة الكلية ، فلا
يصح الاخذ بها لبطلان أساسها .
هذا ما يرومه معجم رجال الحديث . وإن كانت العبارة غير وافية بهذا
التقرير ، ولكن الإجابة عن هذا الاشكال ممكنة بعد الدقة في عبارة " العدة " .
لأن الظاهر من عبارة الشيخ هو استكشاف الطائفة التزامهم بأنهم ما كانوا يروون
ولا يرسلون إلا عن ثقة ، على وجه كانت القضية مشهورة في الأوساط العلمية
قبل زمن الشيخ إلى أن انتهت إليه ، فعند ذاك يكون الشيخ حاكيا لهذا
الاستكشاف ، لا أنه هو الذي كشف ذلك ، وادعى الاجماع عليه . ألا ترى أنه
يقول : " سوت الطائفة بين ما يرويه هؤلاء وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم
لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثقه به "
فالطائفة التي سوت بين ما يرويه هؤلاء هي التي كشفت هذا الالتزام عنها
وعرفها الشيخ ، وبذلك يسقط الاشكال عن الصلاحية ، لأنه كان مبنيا على أن
الشيخ هو الذي كشف الضابطة عن طريق الاستقراء ، وبالعثور على مشايخ
ضعفهم الشيخ نفسه في كتبه ، يكون ذلك دليلا على نقصان الاستقراء .
ولكنك عرفت أن احتمال كون الشيخ هو المستكشف ، فضلا عن كون
استكشافه مبنيا على الاستقراء ، أمر لا توافقه عبارة " العدة . وعلى ذلك
يؤخذ بهذه الشهادة ، ويحكم بوثاقة مشايخهم عامة ، وإن لم يذكروا في الكتب
الرجالية بشئ من الوثاقة والمدح .
الوجه الثاني : ربما يقال إن هذه المحاولة إنما تنتج في المسانيد ،
فيحكم بوثاقة كل من جاء فيها إلا من ثبت ضعفه . وأما المراسيل فلا تجري
كليات في علم الرجال — صفحة 267
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٦٧