شرح
مشتغلا بالعبادة صائم النهار قائم الليل ، وذلك في زمن خلافة عمر بن الخطاب حتى كان
أعبد الناس ، والخلق يتمنى أن يكون مثله ، وكان عمر يأتي إليه ويسأله أن يكلفه حاجة .
فيقول له المقدسي : الحاجة إلى الله تعالى ولم يزل كذلك إلى أن عزم الناس إلى الحج .
فقال : معي وديعة أحب أن تستودعها مني إلى حين عودي من الحج ، فقال له عمر : هات
الوديعة فاحضر حقا من عاج عليه قفل من حديد مختوم بخاتم الشاب فتسلمه ، وخرج
الشاب مع الوفد وخرج عمر إلى مقدم الوفد ، وقال له : أوصيك بهذا وجعل يودع الشاب
فرجع عمر ، وكان في الوفد امرأة من الأنصار فما زالت تلاحظ المقدسي وتنزل بقربه حيث
نزله ، فلما كان في بعض الأيام دنت منه وقالت : يا شاب إني والله أرق لهذا الجسم الناعم
الترف كيف يلبس الصوف ، فقال لها : يا هذه جسم يأكله الدود ومصيره التراب هذا له
كثير ، فقالت إني أخاف على هذا الوجه المضئ كيف تشعثه الشمس ، فقال لها : يا هذه اتقي
الله وكفي فقد أشغلني كلامك عن عبادة ربي . فقالت له : إليك حاجة فإن قضيتها فلا كلام
وإن لم تقضها فما أنا بتاركتك حتى تقضيها ، فقال لها : وما حاجتك ، قال : حاجتي أن
تواقعني فزبرها وخوفها من الله تعالى فلم يردعها ذلك ، قالت : والله إن لم تفعل ما آمرك
به وإلا رميتك بداهية من دواهي النساء ومكرها ، ولا تنجو منها فلم يلتفت إليها ولم يعبأ
بكلامها فلما كان في بعض الليالي وقد أسهر أكثر ليله في عبادة ربه ، ثم رقد في آخر الليل
وغلب عليه النوم فأتته وتحت رأسه مزاده فيها زاده فانتزعتها منه وطرحت فيها كيسا فيه
خمسمأة دينار ، ثم أعادتها تحت رأسه فلما ثوروا الوفد قامت الملعونة من نومها وقالت :
أنا بالله وبالوفد يا وفد الله امرأة مسكينة وقد سرقت نفقتي ومالي ، أنا بالله وبكم فحبس
المتقدم على الوفد ، وأمر رجلا من الأنصار ورجلا من المهاجرين أن تفتشوا الوفد ففتشوا
الفريقين فلم يجدوا شيئا ولم يبق من الوفد إلا من فتش رحله ولم يبق غير المقدسي ، وأخبروا
مقدم الوفد بذلك ، فقالت : يا قوم ما ضركم لو فتشتموه فله أسوة بالمهاجرين والأنصار
وما يدريكم أن يكون ظاهره مليح وباطنه قبيح ، ولم تزل بهم المرأة حتى حملتهم على