تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
لكان منى في علي رأي يكفي امرءا ذا حسب ودين ، ثم انصرفوا جميعا عن معاوية غاضبين ، ولكنه لم يدعهم يبيتون في غيظهم ، فصالحهم ( وأرضاهم من نفسه ، ووصلهم بأموال جليلة ) . وإذ رأى معاوية أن الدائرة توشك أن تدور عليه ، وأن عليا يوشك أن يكسب الحرب ، قال لعمرو : قد رأيت أن أكتب لعلي كتابا أسأله الشام - وهو الشئ الأول الذي ردني عنه وألقى في نفسه الشك والريبة . فضحك عمرو قائلا : أين أنت يا معاوية من خدعة علي ؟ . فقال : ألسنا بني عبد مناف ، قال عمرو : بلى ، ولكن لهم النبوة دونك ، وإن شئت أن تكتب فاكتب . فكتب معاوية لعلي : أما بعد ، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا ، لم يجنها بعضنا على بعض ، وإنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ، ونصلح به ما بقي ، وقد كنت سألتك الشام على ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة ، فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت ، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف ، وقد والله رقت الأجناد ، وذهبت الرجال ، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ، ولا يسترق به حر والسلام . فلما قرأ الإمام كتاب معاوية قال : العجب لمعاوية وكتابه ! . ثم كتب إلى معاوية : أما بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بغلت لم يجنها بعضنا على بعض . فإنا وإياك منها في غاية لم نبلغها ، وإني لو قتلت في ذات الله وحييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة ، لم أرجع عن الشدة في ذات الله ، والجهاد لأعداء الله . وأما قولك أنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى ، فإني ما نقضت عقلي ، ولا ندمت على فعلي .
شرح إحقاق الحق — صفحة 377 | السيد شهاب الدين المرعشي النجفي / السيد محمود المرعشي