تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
شرح
إن الله عز وجل جبر للعباد على المعاصي وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه ورد عليه قوله : ولا يظلم ربك أحدا ، وقوله جل ذكره : بما قدمت يداك وإن الله ليس بظلام للعبيد مع آي كثيرة في مثل هذا . فمن زعم أنه يجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز وجل وظلمه في عقوبته له ، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه ، ومن كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة ، المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا ، مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به وعلم المالك على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه فلما صار العبد إلى السوق وحاول أخذ حاجته التي بعثه المولى للاتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه فيها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها ، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجة ، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذب نفسه ، أليس يجب أن لا يعاقبه ، والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا . ثم قال بعد كلام طويل : فأما التفويض الذي أبطله الصادق وخطأ من دان به فهو قول القائل : إن الله عز وجل فوض العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم ، وفي هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غمره ودقته إلا الأئمة المهديون ( ع ) من عترة آل الرسول ( ص ) فإنهم لو فوض الله إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا به الثواب ولم يكن لهم فيما اجترموا العقاب إذا كان الاهمال واقعا ، ونتصرف هذا المقالة على المعنيين أما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة ، كره ذلك أم أحب ، فقد لزمه الوهن ، أو يكون جل وتقدس من عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم وآجراهما على محبتهم أو عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته ، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان ، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه وادعى مالك العبد أنه قاهر قادر عزيز حكيم فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره