هو بمعنى إيجاب الله تعالى على نفسه شيئا بمقتضى حكمته ، كما دل عليه قوله تعالى
وكتب على نفسه الرحمة ( 1 ) ، وغير ذلك ، لا بمعنى إيجاب غيره تعالى شيئا عليه
كما توهمه الأشاعرة ، والايجاب بذلك المعنى مما يجب القول به لقيام الدليل
عليه كما عرفت وأما قوله إذ يفعل ما يشاء ، فإن أراد به الإشارة إلى قوله تعالى :
يفعل الله ما يشاء يتوجه عليه أنه لا يستلزم أن يشاء القبيح أيضا ، وهو ظاهر فلا
يدل على صدور القبيح منه تعالى ، وإن ذكره كلاما من عند نفسه من غير الإشارة
إلى الآية فلا التفات إليه أصلا وأما قوله : والحال أنهم لا بد أن يقولوا به ، فإن
الله تعالى أخبر بعدم إيمان أبي لهب " الخ " فمردود بأن لنا ألف مندوحة عن ذلك ،
فإن شبهة إخبار الله تعالى بعدم إيمان أبي لهب شبهة سخيفة عتيقة رميمة ، قد أجاب عنها
المصنف قدس سره في كتابي تهذيب الأصول ونهاية الوصول بالمنع من الأخبار بعدم
إيمان أبي لهب ، والوعد [ ظ الوعيد ] بأنه سيصلى نارا لا يدل على الاخبار بعدم تصديقه
للنبي صلى الله عليه وآله ، لامكان تعذيب المسلم كالفاسق ، ولو سلم فلنا أن نقول إنه سيصلى
النار على تقدير عدم إيمانه ، وكذا قوله تعالى في قصة نوح : إنه لن يؤمن لك من
قومك إلا من قد آمن ( 2 ) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك ، سلمنا
لكن نمنع أنهم كلفوا بتصديق النبي صلى الله عليه وآله فيما أخبر به من عدم تصديقهم بنبوته
لجواز وروده حال غفلتهم أو نومهم أو بعد التكليف ، ولو سلم أن تصديق الله تعالى في
كل ما أخبره به من الايمان لم يلزم منه أمره بتصديق هذا الخبر عينا ، لأن الايمان
إنما يجب بما علم مجيئه به لا بما جاء به مطلقا ، سواء علمه المكلف أو لم يعلمه ،
ولا نسلم أن هذا الخبر مما علم أبو لهب مجيئه به حتى يلزم تصديقه به ، وتلخيصه
شرح
( 1 ) الأنعام . الآية 12 .
( 2 ) هود . الآية 36 .