والحاصل ان حال المجتهد والمقلد - بالنسبة إلى الأحكام المتعلقة
بالموضوعات ، ( 145 ) سواء كانت واقعية أم ظاهرية - سواء ، والذي يختص بالمجتهد
- ولاحظ للمقلد فيه - هو فهم تلك الأحكام وتشخيص مواردها من طريق
النظر ، فلا تغفل .
الثاني - ان التخيير هل هو على سبيل الاستمرار ، بمعنى انه هل يجوز
للحاكم ان يحكم على طبق امارة في واقعة ، ثم يحكم على طبق امارة أخرى في
واقعة أخرى مثلها أم لا ؟ وكذا هل يجوز للمفتي ان يختار في عمل نفسه امارة
ويعمل على طبقها ، ثم يختار أخرى ويعمل عليها ، وكذا يفتى للمقلد على هذا النحو
من الاختيار أم لا ؟ الأقوى هو الأول ، لاطلاق أدلة التخيير ، خصوصا بعد
ملاحظة ما ورد في بعض الأخبار : من أن الاخذ بأحد الخبرين انما هو من
باب التسليم . ومن المعلوم أن مصلحة ذلك لا تختص بابتداء الحال . وان أبيت عن
ذلك وقلت إن الاخبار لم يكن لها تعرض الا لبيان وظيفة المتحير في أول الأمر ،
يكفي في اثبات استمرار التخيير استصحاب ذلك ، الحاكم على استصحاب
حكم المختار ، والقول باختلاف الموضوع مدفوع بما مر في محله من كفاية الوحدة
العرفية .
الثالث انك عرفت أن الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين انما هو
من باب التعبد بالأخبار الواردة في الباب ، وان مقتضى القاعدة - بناءا على
اعتبار الاخبار من باب الطريقية - هو التوقف . وحينئذ فاللازم الاقتصار في ذلك
شرح
( 145 ) لكن يمكن أن يقال : إن احكام المتعارضين - من التخيير أو الترجيح
أو التوقف والاحتياط - مختصة بمن بلغه المتعارضان ، وفهم التعارض بينهما ، ولذا نقول
أحد المجتهدين مخير في العمل بأيهما شاء مثلا ، والآخر بالجمع ، والآخر بأحدهما ما لم
يعثر على الآخر ، فالمقلد ليس موضوعا لتلك الأحكام ، بل هو مكلف بالواقع واقعا ،
وبما أفتى به المجتهد ظاهرا . وأما المجتهد ، فإذا اختار أحد الخبرين يرى مضمونه
حكم الله على جميع الناس ، فيفتي على طبقه ، كما يعمل به .