وكيف كان فهذه الدعوى محل نظر بل منع . ثم انا لو سلمنا تحقق
العسر والحرج في العمل بالاحتياط الكلى ، فإن كان بحيث يختل به
النظام ، فالعقل حاكم بطرحه . ولا اشكال فيه . وأما لو لم يكن بهذه
المثابة ، فالتمسك في رفعه بالأدلة السمعية الدالة على نفى الحرج في الدين
محل تأمل ، إذ يمكن أن يقال ظاهرها عدم جعل الشارع تعالى تكليفا
يوجب الحرج بنفسه . ولا اشكال في أن التكاليف المجعولة من قبل الشارع
ليست بنفسها ، بحيث يوجب امتثالها الحرج والمشقة ، وانما جاء الحرج
من قبل جهل المكلف في تعيينها . وبعد عروض هذا الجهل يحكم العقل
بوجوب الاحتياط ، وليس الاحتياط شرعيا ، حتى يلزم منه جعل الحرج ،
فما جعله الشارع ليس بحرجي ، وما يكون حرجيا ليس بمجعول للشارع .
هذا ولكن الاشكال في الكبرى ليس في محله ، بعد ملاحظة
الانصاف وفهم العرف ، فان ما يفهم العرف من أدلة الحرج هو عدم
تحقق الحرج على المكلف من ناحية الشارع ، سواء كان بجعله ابتداء أم
كان بجعل الأحكام الواقعية ، واشتبه على المكلف ، فوقع في الكلفة بحكم
العقل وامضاء الشارع ( 53 ) .
شرح
( 53 ) لا يخفى أن المقصود أن العرف يفهم من أدلة لا حرج تقييد أصل
اطلاقات الاحكام بغير مثل هذا المورد الذي ينجر بالآخرة إلى الحرج ، ولو بضميمة
حكم العقل . وعلى ذلك فيكون دليل العسر والحرج واردا على دليل الاحتياط
لا حاكما عليه ، كما عبر به في الكفاية ، فليس حالهما الا كحال ساير الأصول
العملية والأدلة الشرعية ، حيث ترفع الأدلة موضوع الأصول ، بل لا يمكن رفعها مع بقاء
موضوعها ، لأنه مخالف لحكم العقل .
هذا في الاحتياط العقلي . واما الشرعي فلا تشمله أدلة رفع الحرج أصلا