ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض ، وتستولي به على
الأمد ، وتصل به إلى المقصد ، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس ،
وتتيقن تناهى بلاغته كما تتيقن الفجر ، وأقرب عليك الغامض ، وأسهل
لك العسير .
واعلم أن هذا علم شريف المحل ، عظيم المكان ، قليل الطلاب ، ضعيف
الأصحاب ، ليست له عشيرة تحميه ، ولا أهل عصمة تفطن لما / فيه . وهو
أدق من السحر ، وأهول من البحر ، وأعجب من الشعر .
وكيف لا يكون كذلك : وأنت تحسب أن وضع " الصبح " في موضع
" الفجر " يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا ؟ وليس كذلك ،
فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ، وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة
الأخرى ، بل تتمكن فيه ، وتضرب بجرانها ، وتراها في مظانها ، وتجدها
فيه غير منازعة إلى أوطانها ، وتجد الأخرى - لو وضعت موضعها - في
محل نفار ، ومرمى شراد ، ونابية عن استقرار ( 1 ) .
ولا أكثر عليك المثال ، ولا أضرب لك فيه الأمثال ، وأرجع بك إلى
ما وعدتك ( 2 ) من الدلالة ، وضمنت لك من تقريب المقالة .
فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام ،
ومتصرفات مجاري النظام ، لم تستفد مما نقر به عليك شيئا ، وكان التقليد
أولى بك ، والاتباع أوجب عليك . ولكل شئ سبب ، ولكل علم طريق ،
ولا سبيل إلى الوصول إلى الشئ من غير طريقه ، ولا بلوغ غايته من غير
سبيله .
* * *
/ خذ الآن - هداك الله - في تفريغ ( 3 ) الفكر ، وتخلية البال ، وانظر
فيما نعرض عليك ، ونهديه إليك ، متوكلا على الله ، ومعتصما به ، ومستعيذا به ،
من الشيطان الرجيم ، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم .
هامش
( 1 ) م : " وبانية على اسفرار "
( 2 ) ك : " وما وعدتك به "
( 3 ) م : " مع تفريغ "