النار بالطبخ أو القلي أو الشئ ، بخلاف تأثير التمييز ، كالعسل ، والسمن ، وإنما تعتبر في الحبوب حبا ، وفي السمسم حبا
أو دهنا ، وفي العنب والرطب زبيبا ، أو تمرا ، أو عصيرا ، أو خلا .
( تنبيه ) يؤخذ من اعتبار المماثلة بالكيل في المكيل ، وبالوزن في الموزون - أنه لا عبرة بالقيمة رأسا . فلو بيع مد
تمر برني بمد صيحاني : صح ذلك - ولو تفاوتا في القيمة - ومحله في غير بعض صور القاعدة المسماة بقاعدة مد عجوة
ودرهم ، فإنه يعتبر في ذلك البعض المماثلة في القيمة أيضا .
والمؤلف لم يتعرض لهذه القاعدة رأسا ، ولنتعرض لها حتى تعرف ذلك البعض المعتبر فيه ما ذكر ، وتكميلا
للفائدة ، واقتداء بمن سلف ، فنقول : ضابط هذه القاعدة أن يجمع عقد واحد جنسا ربويا في الجانبين - أي المبيع
والثمن - متحدا فيهما مقصودا - أي ليس تابعا لغيره - وأن يتعدد المبيع جنسا أو نوعا أو صفة ، سواء حصل التعدد
المذكور في الثمن أم لا . ومعنى تعدده : أن ينضم إلى ذلك الجنس الربوي جنس آخر ، ولو غير ربوي .
فالقيود المشتمل عليها هذا الضابط : ستة . القيد الأول : أن يكون العقد واحدا ، ومعنى وحدته : عدم تفصيله ، بأن
لا يقابل المد بالمد ، والدرهم بالدرهم مثلا ، وخرج به ما لو فصل ، كأن قال : بعتك هذا بهذا ، وهذا بهذا . القيد الثاني :
أن يكون الجنس ربويا ، وخرج به ما لو كان غير ربوي ، كثوب وسيف بثوبين . القيد الثالث : أن يكون ذلك الجنس
الربوي في الجانبين ، وخرج به ، ما لو كان في أحدهما فقط ، كثوب ودرهم بثوبين . القيد الرابع : أن يكون الجنس
الكائن فيهما واحدا ، وخرج به ما لم يكن واحدا ، بأن يكون المشتمل عليه المبيع ليس مشتملا عليه الثمن والكل ربوي
كصاع بر وصاع شعير بصاعي تمر . القيد الخامس : أن يكون مقصودا بالعقد ، وخرج به ما إذا كان تابعا لمقصود بالعقد ،
كبيع دار فيها بئر ماء عذب بمثلها . القيد السادس : أن يتعدد المبيع ، وخرج به ، ما إذا لم يتعدد - كبيع دينار بدينار - وهذه
المخرجات ليست من القاعدة المذكورة ، فهي صحيحة .
وبقي من القيود : التمييز - أي عدم الخلط - ولكن هذا في خصوص صور الجنس وصور النوع ، إذ لا يتأتى التوزيع
المبني عليه القاعدة المذكورة إلا حينئذ . وخرج به : ما إذا لم يتميزا - بأن خلط الجنسان أو النوعان - وبيعا بمثلهما أو
بأحدهما خالصا ، فإنه لا يضر . وليس من القاعدة المذكورة بشرط أن يكون المخلوط به بالنسبة للجنس شيئا يسيرا ،
بحيث لا يقصد إخراجه ليستعمل وحده . وأما بالنسبة للنوع ، فلا فرق بين اليسير والكثير - كما هو مقتضى كلام
الشيخين - وقال سم : قال شيخنا الشهاب الرملي : إنه الصحيح اه . وجزم به الخطيب في مغنيه . وخرج باليسير في
الجنس الكثير ، فيضر ، وتصير المسألة من القاعدة المذكورة .
والفرق بين الجنس - حيث قيد الخليط فيه باليسير - وبين النوع - حيث أطلق الخليط فيه - أن الخليط إذا كثر في
الجنس : لم تتحقق المماثلة ، بخلاف النوع . وبقي منها أيضا : أن لا يكون الجنس الربوي ضمنيا في الجانبين ، بأن كان
ظاهرا في كل منهما ، أو ظاهرا في أحدهما ضمنا في الآخر ، كبيع سمسم بدهنه . وخرج به : ما لو كان ضمنيا فيهما
- كبيع سمسم بسمسم - فإنه لا يضر . وليس من القاعدة المذكورة .
( واعلم ) أن هذه القاعدة باطلة بجميع صورها ، ما عدا ثلاث صور منها - كما ستعرفه - وسبب البطلان : أن العقد
مشتمل أحد طرفيه على مالين مختلفين ، وهو يوجب توزيع الطرف الآخر عليهما بالقيمة ، والتوزيع يقتضي تحقق المفاضلة أو الجهل بالمماثلة .
ولنبين لك تلك الصور : ليتميز لك الباطل من الصحيح - الذي هو السبب في إيرادي لهذه القاعدة هنا - فنقول : قد
علمت مما مر أنه لا بد أن يتعدد المبيع جنسا أو نوعا أو صفة - تعدد الثمن كذلك أم لا - فهذه الثلاثة - أعني الجنس ،
والنوع ، والصفة - يرتقي كل واحد منها إلى تسع - باعتبار أن الشيئين المشتمل عليهما المبيع لا فرق بين أن يوجدا في
الثمن ، أو يوجد أحدهما فقط ، لكن كان الموجود فيه ربويا ، وباعتبار أن الجنس الربوي المنضم إليه شئ آخر : قيمته
إعانة الطالبين — صفحة 18
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١٨