باب في الهبة
أي في بيان أحكامها : كجوازها ، وعدم لزومها إلا بالقبض ، وهي لغة مأخوذة من هبوب الريح ، أي مروره ،
لمرورها من يد إلى أخرى ، أو من مصدر هب من نومه بمعنى استيقظ ، لان فاعلها استيقظ للإحسان بعد أن كان غافلا
عنه . وشرعا ، تطلق على ما يعم الصدقة والهدية والهبة ذات الأركان ، أي على معنى عام يشمل الثلاثة ، وهو تمليك
تطوع في حياة ، وتطلق على ما يقابلهما ، وهو تمليك تطوع في حياة ، لا لإكرام ، ولا لأجل ثواب أو احتياج بإيجاب
وقبول ، وهذا هو معنى الهبة ذات الأركان ، وهو المراد عند الاطلاق ، فكل صدقة وهدية ، هبة ، ولا عكس - لانفرادها في
ذات الأركان والأصل فيها ، بالمعنى الأعم ، قبل الاجماع آيات ، كقوله تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى ) * ( 1 ) أي ليعن
بعضكم بعضا على ما فيه بر وتقوى ، وقوله تعالى : * ( وآتى المال على حبه ) * ( 2 ) أي مع حب المال أو لأجل حب الله ،
فالضمير عائد على المال ، وعلى ، بمعنى مع ، أو لله . وعلى بمعنى لام التعليل ، وأخبار : كخبر الصحيحين لا تحقرن
جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة أي لا تحقرن جارة مهدية لجارتها المهدى إليها ، أو بالعكس ، ولو ظلف شاة مشويا . وهو
مبالغة في القلة ، أي ولو شيئا قليلا ، ويروى أن عائشة رضي الله عنها أعطت سائلا حبة عنب ، فأخذ يقلبها بيده استحقارا
لها ، فقالت زجرا ، كم في هذه من مثقال ذرة ؟ والله تعالى يقول : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * ( 3 ) . وأركانها ،
بالمعنى الخاص ، أركان البيع ، فهي ثلاثة إجمالا ، عاقد ، وموهوب ، وصيغة ، وشرط في العاقد ، بمعنى الواهب ، أهلية
أن يتبرع ، وبمعنى الموهوب له أهلية أن يتبرع عليه ، فلا تصح من مكاتب بغير إذن سيده ، ولا من ولي في مال موليه ، ولا
لحمل ، ولا لبهيمة ، ولا لنفس الرقيق ، وشرط في الموهوب ، صحة جعله عوضا ، إلا نحو حبة بر ، فتصح هبتها ، وإن لم
يصح بيعها ، فنقل اليد عن الاختصاص ، لا يسمى هبة ، وإلا هبة موصوف في الذمة ، كأن يقول وهبتك كذا في ذمتي ، فلا
يصح ، لان الهبة إنما ترد على الأعيان ، لا على ما في الذمة ، بخلاف البيع ، فإنه يرد عليهما وشرط في الصيغة ما شرط في
صيغة البيع ، ومنه توافق الايجاب والقبول ، فلو وهب له شيئين ، فقبل أحدهما ، أو شيئا واحدا ، فقبل بعضه ، لم يصح ،
وقيل بالصحة . وفرق بين الهبة والبيع ، بأنه معاوضة ، فضيق فيه ، بخلافها ( قوله : أي مطلقها الشامل للصدقة والهدية )
أي المراد بالهبة في الترجمة ، ما يشمل الصدقة والهدية ، لا ما يقابلهما ، وفيه أن التعريف المذكور خاص بالثاني ، فيلزم
عليه أنه ترجم لشئ ولم يذكره ، وهو معيب ( قوله : الهبة تمليك عين ) خرج بها المنافع ، وسيأتي ما فيها ، قال في
التحفة : وخرج بالتمليك ، العارية والضيافة ، فإنها إباحة ، والملك إنما يحصل بالازدراد والوقف ، فإنه تمليك منفعة لا
عين ، كذا قيل . والوجه أنه لا تمليك فيه ، وإنما هو بمنزلة الإباحة . ( وقوله : يصح بيعها غالبا ) أشار بذلك لقاعدة ، وهي
أن كل ما صح بيعه ، صحت هبته ، وما لا يصح بيعه ، لا تصح هبته . واستثنى من المنطوق ، مسائل منها : الجارية
المرهونة إذا استولدها الراهن المعسر أو أعتقها ، فإنه يجوز بيعها ، للضرورة ، ولا يجوز هبتها ، ومنها المكاتب ، يجوز بيع
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 2 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 177 .
( 3 ) سورة الزلزلة ، الآية : 7 .