قلناه . على أن مما يصرح به أيضا أن مالكا رضي الله عنه سئل : هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء ؟
فقال : لا ، إلا على الكتبة الأولى . أي التي كتبها الامام ، وهو المصحف العثماني . قال أبو عمرو : ولا مخالف له في ذلك من
علماء الأئمة . وقال بعضهم : الذي ذهب إليه مالك هو الحق ، إذ هو فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن يتعلمها الآخرون ،
وفي خلافها تجهيل آخر الأمة أولهم . وإذا وقع الاجماع - كما ترى - على منع ما أحدث اليوم من مثل كتابه الربو بالألف -
مع أنه موافق للفظ الهجاء - فمنع ما ليس من جنس الهجاء أولى . وأيضا ففي كتابته بالعجمي تصرف في اللفظ المعجز
الذي حصل التحدي به بما لم يرد ، بل بما يوهم عدم الاعجاز بل الركاكة ، لان الألفاظ العجمية فيها تقديم المضاف إليه
على المضاف ، ونحو ذلك مما يخل بالنظم وتشويش الفهم . وقد صرحوا بأن الترتيب من مناط الاعجاز . اه بحذف .
( قوله : وضع نحو درهم ) بالرفع ، معطوف أيضا على تمكين . أي ويحرم وضع نحو درهم . وقوله : في مكتوبه أي فيما
كتب فيه مصحف ، أي قرآن ، كله أو بعضه . وعبارة النهاية : ولا يجوز جعل نحو ذهب في كاغد كتب عليه بسم الله
الرحمن الرحيم . اه . قال ع ش : أي وغيرها من كل معظم . كما ذكره ابن حجر في باب الاستنجاء . ومن المعظم
ما يقع في المكاتبات ونحوها ، مما فيه اسم الله أو اسم رسوله مثلا ، فيحرم إهانته بوضع نحو دراهم فيه . اه ( قوله : وعلم
شرعي ) بالجر ، عطف على ضمير مكتوبه . أي ويحرم أيضا وضع نحو درهم في مكتوب علم شرعي ، أي ما كتب فيه
علم شرعي كالتفسير والحديث والفقه . ولو قال : كغيره وكل معظم ، لكان أولى . إذ عبارته تقتضي أنه إذا وضع في
مكتوب غير العلم الشرعي من بقية العلوم كالنحو والصرف لا يحرم ولو كان فيه معظم ، وليس كذلك . ( قوله : وكذا جعله
بين أوراقه ) أي وكذا يحرم جعل نحو درهم بين أوراق المصحف وفيه أن هذا يغني عنه . قوله أولا : ووضع نحو درهم في
مكتوبه ، إذ هو صادق بما وضع بين أوراقه المكتوب فيها المصحف ، وبما وضع في ورقة مكتوب فيها ذلك . ويمكن أن
يقال إنه من ذكر الخاص بعد العام . ( قوله : خلافا لشيخنا ) راجع لما بعد كذا ، وفيه أنه لم يذكره في التحفة ولا في شرح
الارشاد الصغير ولا في غيره من كتبه التي بأيدينا حتى يسند الخلاف إليه . وعبارة التحفة : ووضع نحو درهم في مكتوبه
به ، وجعله وقاية ، ولو لما فيه قرآن فيما يظهر . ثم رأيت بعضهم بحث حل هذا ، وليس كما زعم . اه . وعبارة شرح
الارشاد ، وجعل نحو درهم في ورقة كتب فيها معظم . اه . بل قوله : وضع نحو درهم في مكتوبه صادق بما إذا وضعه بين
ورقات كما مر تأمل . ( قوله : وتمزيقه ) معطوف على تمكين أيضا . أي ويحرم تمزيق المصحف لأنه ازدراء به . وقوله :
عبثا أي لا لقصد صيانته . وعبارة فتاوي ابن حجر تفيد أن المعتمد حرمة التمزيق مطلقا ، ونصها : سئل رضي الله عنه
عمن وجد ورقة ملقاة في طريق فيها اسم الله تعالى ، ما الذي يفعل بها ؟ فأجاب رحمه الله بقوله : قال ابن عبد السلام :
الأولى غسلها ، لان وضعها في الجدار تعرض لسقوطها والاستهانة بها . وقيل : تجعل في حائط . وقيل : يفرق حروفها
ويلقيها . ذكره الزركشي . فأما كلام ابن عبد السلام فهو متجه ، لكن مقتضى كلامه حرمة جعلها في حائط والذي يتجه
خلافه ، وأن الغسل أفضل فقط . وأما التمزيق ، فقد ذكر الحليمي في منهاجه أنه لا يجوز تمزيق ورقة فيها اسم الله أو اسم
رسوله ، لما فيه من تفريق الحروف وتفريق الكلمة ، وفي ذلك ازدراء بالمكتوب . فالوجه الثالث شاذ إذ لا ينبغي أن يعول
عليه . ( قوله : وبلع ما كتب عليه ) أي ويحرم بلع ما كتب عليه قران ، لملاقاته للنجاسة . وقال سم : لا يقال إن الملاقاة في
الباطن لا تنجس ، لأنا نقول فيه امتهان وإن لم ينجس . كما لو وضع القرآن على نجس جاف ، يحرم مع أنه لا ينجس .
وقال في النهاية : وإنما جوزنا أكله لأنه لا يصل إلى الجوف إلا وقد زالت صورة الكتابة . اه . ومثله في التحفة ، وزاد
فيها : ولا تضر ملاقاته للريق لأنه ما دام بمعدنه غير مستقذر ، ومن ثم جاز مصه من الحليلة . اه . ( قوله : لا شرب محوه )
أي لا يحرم شرب ما محي من القرآن . وعبارة المغني : ولا يكره كتب شئ من القرآن في إناء ليسقى ماؤه للشفاء خلافا
لما وقع لابن عبد السلام في فتاويه من التحريم . اه . ( قوله : ومد الرجل ) بالرفع عطف على تمكين أيضا . أي ويحرم
مد الرجل لما فيه من الازدراء به . وقال في المغني : ويحرم الوطئ على الفراش أو خشب نقش بالقرآن - كما في الأنوار -
إعانة الطالبين — صفحة 84
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٨٤