المصافحة عقب الصبح والعصر . والله أعلم . اه . وقوله : واجبة . من أمثلتها تدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها
الضياع . فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا ، وإهماله حرام إجماعا . وقوله : ومحرمة . من أمثلتها
المحدثات من المظالم كالمكوس . وقوله : ومكروهة . من أمثلتها زخرفة المساجد ، وتخصيص ليلة الجمعة بقيام .
وقوله : ومستحبة . من أمثلتها فعل صلاة التراويح بالجماعة ، وبناء الربط والمدارس ، وكل إحسان لم يعهد في العصر
الأول . وقوله : ومباحة . من أمثلتها ما ذكره . وقال ابن حجر في فتح المبين ، في شرح قوله ( ص ) : من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رد ، ما نصه : قال الشافعي رضي الله عنه : ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة
الضالة ، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة .
والحاصل أن البدع الحسنة متفق على ندبها ، وهي ما وافق شيئا مما مر ، ولم يلزم من فعله محذور شرعي . ومنها
ما هو فرض كفاية ، كتصنيف العلوم . قال الإمام أبو شامة شيخ المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا
ما يفعل في كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ( ص ) : من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مع ما
فيه من الاحسان إلى الفقراء يشعر بمحبة النبي ( ص ) وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك ، وشكر الله تعالى على ما من به
من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين ( ص ) . وأن البدع السيئة ، وهي ما خالف شيئا من ذلك صريحا أو التزاما ، قد
تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارة والكراهة أخرى ، وإلى ما يظن أنه طاعة وقربة . فمن الأول الانتماء إلى جماعة يزعمون
التصوف ويخالفون ما كان عليه مشايخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم ، بل كثير من أولئك
إباحية لا يحرمون حراما ، لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم الشنيعة القبيحة ، فهم باسم الكفرة أو الفسق أحق منهم باسم
التصوف أو الفقر . ومنه الصلاة ليلة الرغائب أول جمعة من رجب ، وليلة النصف من شعبان . ومنه الوقوف ليلة عرفة أو
المشعر الحرام ، والاجتماع ليالي الختوم آخر رمضان ، ونصب المنابر والخطب عليها ، فيكره ما لم يكن فيه اختلاط
الرجال بالنساء بأن تتضام أجسامهم . فإنه حرام وفسق .
قيل : ومن البدع صوم رجب ، وليس كذلك بل هو سنة فاضلة ، كما بينته في الفتاوي وبسطت الكلام عليه . اه .
بحذف . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
وقد تم تحرير الجزء الأول من الحاشية المباركة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ، يوم الأحد المبارك في التاسع
والعشرين من شهر ذي القعدة عام ثمانية وتسعين بعد الألف والمائتين ، على يد مؤلفها راجي الغفران من ربه ذي العطا
أبي بكر ابن المرحوم محمد شطا الدمياطي الشافعي ، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمحبيه ولجميع المسلمين .
وأرجو الله الكريم المنان بجاه سيدنا محمد سيد ولد عدنان أن يرزقنا رضاه ، وأن يصحح منا ما أفسدناه ، وأن يمن
علينا بقربه ، وأن يتحفنا بحقائق حبه ، وأن لا يجعل أعمالنا حسرة علينا وندامة . وأن يجعلنا مع ساداتنا في أعلى فراديس
الكرامة . وأن يعيننا على التمام كما أعاننا على الابتداء . فإنه مجيب الدعاء ، لا يرد من قصده واعتمد عليه ، ولا من عول
في جميع أموره عليه .
ولذة الخلو به عز وجل ، وعند ذلك لا يشبع الانسان من القيام فضلا عن أن يستثقله أو يكسل
عنه . كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم : إن كان أهل الجنة في مثل ما
نحن فيه بالليل إنهم لفي عيش طيب . وقال آخر : منذ أربعين سنة ما غمني شئ إلا طلوع الفجر . وقال آخر : أهل الليل في ليلهم
ألذ من أهل اللهو في لهوهم . وقال آخر : لولا قيام الليل وملاقاة الاخوان في الله ما أحببت البقاء في الدنيا .
وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة . وقد صلى خلائق منهم الفجر بوضوء العشاء ، رضي الله عنهم . أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده . فعليك رحمك الله بقيام الليل وبالمحافظة عليه وبالاستكثار منه ، وكن من عباد الرحمن الذين يمشون على
الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما . واتصف ببقية أوصافهم التي وصفهم الله بها
في هذه الآيات إلى آخرها . وإن عجزت عن الكثير من القيام بالليل فلا تعجز عن القليل منه ، قال الله تعالى :
* ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) * أي في القيام من الليل . وقال عليه السلام : عليكم بقيام الليل ولو ركعة وما أحسن وأجمل الذي
يقرأ القرآن الكريم بالغيب أن يقرأ كل ليلة في قيامه بالليل شيئا منه ، ويقرأه على التدريج من أول
القرآن إلى آخره ، حتى تكون له في قيام الليل ختمة إما في كل شهر أو في كل أربعين أو أقل من ذلك أو أكثر ، على حسب النشاط والهمة . اه .
إعانة الطالبين — صفحة 313
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣١٣