يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، يا رحمن الآخرة ورحيم الدنيا ، اه حفني . وقوله : التي من جملتها ما ذكره الشارح ، غير ظاهر
لان الصيغتين في الشرح ليس فيهما / حرف النداء صريحا وإن كان مقدرا ، بخلاف الأربعة التي ذكرها . وبهذا الاعتبار تكون
الصيغ ثمانية ، صيغتان حديثان وست غير أحاديث . اه ع ط . اه .
واعلم أن الرحمن معناه : المنعم بجلائل النعم ، أي أصولها ، كنعمة الوجود بعد العدم ، والايمان ، والعافية والرزق ،
والعقل ، والسمع ، والبصر ، وغير ذلك . والرحيم معناه : المنعم بدقائق النعم ، أي فروعها ، كالجمال ، وكثرة المال ، وزيادة
الايمان ، ووفور العقل ، وحدة السمع والبصر ، وغير ذلك . وإنما جمع بينهما إشارة إلى أنه تعالى ، كما ينبغي أن يطلب منه النعم
العظيمة كذلك ينبغي أن يطلب منه النعم الدقيقة . فقد أوحى الله إلى موسى : يا موسى لا تخش مني بخلا أن تسألني حقيرا ،
اطلب مني الدقة والعلف لشاتك ، أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها ، وأني لم أخلق شيئا إلا وقد علمت أن الخلق
يحتاجون إليه . فمن سألني مسألة ، وهو يعلم أني قادر ، أعطي وأمنع ، أعطيته مسألته مع المغفرة .
والحاصل أن رحمته سبحانه وتعالى عامة على جميع مخلوقاته ، فينبغي لكل شخص مريد رحمة الله أن يرحم أخاه . قال
كعب الأحبار : مكتوب في الإنجيل : يا ابن آدم كما ترحم كذلك ترحم ، فكيف ترجو أن يرحمك الله وأنت لا ترحم عباد
الله .
ومما ينسب لابن حجر رحمه الله تعالى :
ارحم هديت جميع الخلق أنك ما رحمت يرحمك الرحمن فاغتنما
( وله أيضا ) :
ارحم عباد الله يرحمك الذي عم الخلائق جوده ونواله
فالراحمون لهم نصيب وافر من رحمة الرحمن جل جلاله
ولهذين الوصفين خواص كثيرة ، فمن خواص الرحمن أن من أكثر من ذكره نظر الله إليه بعين الرحمة ، ومن واظب على
ذكره ملطوفا به في جميع أحواله . روي عن الخضر عليه السلام : أن من قال بعد عصر الجمعة مستقلا : يا الله يا رحمن ، إلى
أن تغيب الشمس ، وسأله الله شيئا من أمور الدنيا أو الدين أعطاه إياه . ومن خواص الرحيم أن من كتبه في ورقة إحدى
وعشرين مرة وعلقها على صاحب الصداع برئ بإذن الله تعالى . ومن كتبه في كف مصروع ، وذكره في أذنه سبع مرات ،
أفاق من ساعته بإذن الله تعالى . اه شرح أسماء الله الحسنى . ( قوله : الحمد لله الذي هدانا إلخ ) هذا اعتراف منه بأنه لم يصل
إلى هذا التأليف العظيم ذي النفع العميم ، الموصل إن شاء الله تعالى إلى الفوز بجنات النعيم ، بجهده واستحقاق فعله ،
فاقتدى بأهل الجنة حيث قالوا ذلك في دار الجزاء اعترافا منهم بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من حسن تلك العطيات وعظم
تلك المراتب العليات بجهدهم واستحقاق فعلهم ، بل بمحض فضل الله وكرمه . وما ذكر اقتباس من القرآن ، وهو أن يضمن
المتكلم كلامه شيئا من القرآن أو الحديث ، لا على أنه منه ، ولا يضر فيه التغيير لفظا ومعنى ، لان الإشارة في القرآن للنعيم ،
وهنا للتأليف . بجيرمي بتصرف . ثم إن هداية الله أنواع لا يحصيها عد ، لكنها تنحصر في أجناس مرتبة : الأول : إفاضة
القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه ، كالقوة العقلية - أي العاقلة - والحواس الباطنة ، والمشاعر الظاهرة .
الثاني : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد . الثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب . الرابع :
أن يكشف لقلوبهم السرائر ويؤتيهم الأشياء كما هي ، بالوحي أو الالهام أو المنامات الصادقة ، وهذا القسم يختص بالأنبياء .
( قوله : أي دلنا ) اقتصر في تفسير الهداية على الأدلة ، فشملت الدلالة الموصلة إلى المقصود وغيرها . والأولى لا تسند إلا إليه
إعانة الطالبين — صفحة 18
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١٨