الوجود ، المستمد مني كل موجود . وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : البسملة فاتحة كل كتاب وفي رواية : بسم
الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب . فإن قيل : إن هذه الرواية والتي قبلها يفهمان أن كل كتاب أنزل مشتمل على معاني
القرآن ، لأنه مشتمل على البسملة المشتملة على معاني الفاتحة المشتملة على معاني القرآن ، والرواية التي قبلهما تفهم خلاف
ذلك ، بل تفهم أنها لم توجد في غير القرآن رأسا . فالجواب أن البسملة المفتتح بها كل الكتب المنزلة لم تكن بهذا اللفظ العربي
على هذا الترتيب ، والمفتتح بها القرآن المجيد ، بهذا اللفظ العربي على هذا الترتيب ، ويجوز أن يكون لكونها بهذا اللفظ
العربي . وهذا الترتيب لها دخل في اشتمالها على معاني القرآن ، فلا يلزم حينئذ من اشتمال الكتب عليها بغير هذا اللفظ وهذا
الترتيب ، اشتمال كل كتاب على معاني القرآن . ولا يرد ما وقع في سورة النمل عن سيدنا سليمان في كتابه لبلقيس من أنها
بهذا اللفظ العربي وهذا الترتيب ، لان ذلك كان ترجمة عما في كتابه لها . ومما يتعلق بالبسملة من المعاني الدقيقة ما قيل : إن الباء
بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم مجد الله . وقيل : الباء بكاء التائبين ، والسين سهو الغافلين ، والميم مغفرته للمذنبين . وقال
بعض الصوفية : الله لأهل الصفاء ، الرحمن لأهل الوفاء ، الرحيم لأهل الجفاء . والحكمة في أن الله سبحانه وتعالى جعل
افتتاح البسملة بالباء دون غيرها من الحروف ، وأسقط الألف من اسم ، وجعل الباء في مكانها ، أن الباء حرف شفوي تنفتح
به الشفة ما لا تنفتح بغيره ، ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الانسانية في عهد ألست بربكم بالباء في جواب بلى ، وأنها
مكسورة أبدا . فلما كانت فيها الكسرة ، والانكسار في الصورة والمعنى ، وجدت شرف العندية من الله تعالى ، كما قال : أنا
عند المنكسرة قلوبهم بخلاف الألف ، فإن فيها ترفعا وتكبرا وتطاولا ، فلذلك أسقطت . وخصت التسمية بلفظ الجلالة
ولفظ الرحمن ، ولفظ الرحيم ، ليعلم العارف أن المستحق لان يستعان به في جميع الأمور هو المعبود الحقيقي ، الذي هو مولى
النعم كلها ، عاجلها وآجلها ، جليلها وحقيرها . فيتوجه العارف بجملته حرصا ومحبة إلى جناب القدس ، ويتمسك بحبل
التوفيق ، ويشتغل سره بذكره والاستمداد به عن غيره . والكلام على البسملة من الاسرار والعجائب واللطائف ، لا يدخل
تحت حصر . وفي هذا القدر كفاية ، وبالله التوفيق .
( قوله : الحمد لله ) آثره على الشكر اقتداء بالكتاب العزيز ، ولقوله ( ص ) : لا يشكر الله من لم يحمده . والحمد معناه
اللغوي الثنا بالجميل لأجل جميل اختياري ، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا . ومعناه العرفي فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من
حيث أنه منعم على الحامد أو غيره . والشكر لغة : هو الحمد العرفي ، وعرفا : صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق
لأجله ، أي أن يصرف جميع الأعضاء والمعاني التي أنعم الله عليه بها في الطاعات التي طلب استعمالها فيها ، فإن استعملها
في أوقات مختلفة سمى شاكرا ، أو في وقت واحد سمي شكورا ، وهو قليل ، لقوله تعالى : * ( وقليل من عبادي الشكور ) * .
وصور ذلك العلامة الشبراملسي بمن حمل جنازة متفكرا في مصنوعات الله ، ناظرا لما بين يديه ، لئلا يزل بالميت ماشيا
برجليه إلى القبر ، شاغلا لسانه بالذكر ، وأذنيه باستماع ما فيه ثواب ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأقسام الحمد
أربعة : حمدان قديمان ، وهما حمد الله نفسه ، نحو الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وحمده بعض عباده ، كقوله تعالى
في أيوب : * ( نعم العبد إنه أواب ) * . وحمدان حادثان ، وهما حمدنا له تعالى ، وحمد بعضنا لبعض . وينقسم الحمد إلى :
واجب ، كالحمد في الصلاة وفي خطبة الجمعة وإلى مندوب ، كالحمد في خطبة النكاح ، وفي ابتداء الدعاء ، وبعد الاكل
إعانة الطالبين — صفحة 11
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١١