تحرق ، بل صارت حارّة حرارة شديدة تؤذي من مسّها وإن لم تبلغ إلى حدّ الإحراق ، وأنه لمّا أدناها منه وأمره بقبضها فمد يده إليها ، ظنّا منه أنه مال أعطاه إياه ، فلمّا وضع يده عليها وحسّ بالحرارة ضجّ من ذلك ، " ضجيج ذي دنف " ، الدنف - محركة - : المرض اللازم . " يئنّ " ، من الأنين وهو معروف ، " من سقمه " - بضم السين وسكون القاف ، وبفتحتين - : المرض . وفي ( النهج ) هنا " فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد ( 1 ) أن يحترق من ميسمها " ( 2 ) ، وهو مؤيد لما ذكرناه . والميسم : المكواة التي يكوى بها .
" وكاد يسبّني سفها من كظمه " ، أي من غيظه . يقال : رجل كظيم مكظوم ، أي ممتلئ غيظا وكرها .
قال في ( الكشّاف ) - في تفسير قوله عزّ وجلّ * ( وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ) * ( 3 ) - : ( وهو مملوء من الكرب غيظا وتأسفا ) ( 4 ) انتهى ملخّصا .
أقول : والكظم كما يأتي بهذا المعنى يأتي بمعنى ردّ الغيظ وحبسه والصبر على مرارته ، ومن ذلك قوله عزّ وجلّ * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) * ( 5 ) ، أي الحابسين غيظهم المتجر عينه ، من ( كظم غيظه كظما ) ، إذا تجرّعه وحبسه وهو قادر على إمضائه .
وفي الحديث : " من كظم غيظا أعطاه الله أجر شهيد " ( 6 ) ، ومنه سمّي الإمام موسى عليه السّلام الكاظم . والأنسب بالمقام هنا المعنى الأوّل ؛ بقرينة قوله : " يسبّني سفها " .
" ولحرقة في لظى " ، أي جهنم ، " أضنى له " ، يقال : ضني ، أي مرض مرضا
هامش
( 1 ) من " ق " والمصدر ، وفي " ح " : وكان ، وليست في " ق " ، وقد مرّت في الحديث أول الدرة بلفظ : فكاد ، في النسختين .
( 2 ) نهج البلاغة : 472 / الكلام : 224 .
( 3 ) الزخرف : 17 .
( 4 ) الكشاف 4 : 242 .
( 5 ) آل عمران : 134 .
( 6 ) الأمالي ( الصدوق ) : 516 / 707 ، بحار الأنوار 72 : 247 / 10 .