في النحو السابق ولم يعجّز نفسه ولكنّه عصى ولم يتوضّأ ويصلّ . وأمّا في هذا النحو فإنّ عدم الامتثال ناشئ من تعجيز المكلّف نفسه عقلاً عن الإتيان بالصلاة متطهّراً ، وخطاب « صلِّ » وإن كان ساقطاً عنه في حالة العجز ؛ لاشتراط التكليف بالقدرة ، إلّا أنّ التعجيز لمّا كان بفعل المكلّف واختياره فإنّ العقل يحكم بعصيانه واستحقاقه العقوبة ، وهذا هو معنى قول الأصوليّين : « إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً » ، بمعنى أنّ التارك لامتثال الواجب يستحقّ العقوبة بلا فرق بين المختار وبين المضطرّ الذي عجّز نفسه بسوء اختياره .
النحو الثالث : أن يترك المكلّف الواجب بسبب تعجيزه لنفسه عن الامتثال أيضاً ، ولكن هذه المرّة قبل فعليّة الوجوب ، كما لو عجّز نفسه وأراق الماء قبل دخول الوقت .
وفي هذه الحالة لا يعتبر المكلّف عاصياً في نظر العقل ؛ وذلك لأنّ وجوب الصلاة - مثلاً - لم يكن فعليّاً في حقّه عند إراقته للماء ، وبعد دخول الوقت لا وجوب للصلاة مع الوضوء عليه ؛ لأنّ كلّ تكليف مشروط بالقدرة والمفروضُ أنّ المكلّف عاجز عن الإتيان بالصلاة الوضوئية ، ومن ثمّ لا يكون الوجوب عليه فعليّاً .
إن قلت : أليس التعجيز كان من قِبل نفس المكلّف ، فلِمَ لا يعتبر عاصياً كما في النحو السابق ؟
قلت : إنّ التعجيز وإن كان من قِبله بإراقة الماء متعمِّداً إلّا أنّه حدث قبل فعليّة الوجوب ، وعند حدوث الزوال لا يتوجّه إليه خطاب « صلِّ » ؛ لعدم قدرته ، وأمّا في النحو السابق فإنّه عجّز نفسه بعد فعليّة الوجوب وتوجّه الخطاب إليه ، ومن ثمّ لا يجد العقل فرقاً بينه وبين العاصي المختار في استحقاق العقوبة .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 96
مساهمون: علاء السالم
ص٩٦