الشرح
قسّمنا فيما سبق الأدلّة الدالّة على البراءة الشرعيّة إلى ثلاثة أقسام ، وقد أنهينا في البحوث السابقة الحديث عن القسمين الأوّلين : الكتاب والسنّة ، وحان موعد الحديث عن القسم الثالث من أدلّة البراءة وهو الاستصحاب .
ولا يخفى أنّ الاستصحاب أصل عمليّ ، وما يُراد الاستدلال عليه - أي البراءة الشرعيّة - أصل عمليّ أيضاً ، فيكون المقام استدلالاً بأصل عمليّ على أصل عمليّ آخر .
دلالة الاستصحاب على البراءة الشرعيّة
استُدِلّ بالاستصحاب على البراءة الشرعيّة ، وذلك بأحد لحاظين : الأوّل : استصحاب عدم جعل التكليف المشكوك بالنظر إلى بداية الشريعة ، بأن يلتفت الشاكّ إلى بداية زمن التشريع والدعوة الإسلاميّة ويقول : إنّ الحكم المشكوك لم يكن مجعولاً في تلك الفترة جزماً ، باعتبار أنّ الأحكام الشرعيّة جُعلت بصورة تدريجيّة ولم تُجعل دفعة واحدة ، والآن هو يشكّ فيه فيستصحب عدمَ جعل ذلك التكليف . الثاني : استصحاب عدم ثبوت التكليف بالنظر إلى ما قبل البلوغ ، فإنّ الصبيَّ لا يجب عليه شيء بنظر الشارع كما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أنّ القلم رفع عن ثلاثة : عن الصبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن النائم حتّى يستيقظ » ( 1 ) ، وبإمكان الشاكّ في التكليف أن يلتفت إلى زمن ما
هامش
( 1 ) الخصال : ص 94 ، ح 40 .