على فعلٍ أو تركٍ يصدر منه بلا اختيار وقدرة . فما لم يكن الفعل أو الترك صادراً من المكلّف عن قدرة واختيار ، فلا يستحقّ العقوبة عليه من قبل المولى بحكم العقل ؛ ذلك لأنّ حقّ الطاعة الثابت عقلاً للمولى لا يشمل ما هو خارج عن الاختيار ، كما لو اقتيد شخص ورُمي في أرض مغصوبة ، فإنّ خروجه منها يُعدّ تصرّفاً في الأرض المغصوبة ، ولكنّه غير معاقَب عليه ؛ لأنّ التصرّف لم يكن صادراً منه باختياره .
وغير خافٍ أنّ معنى استحالة الإدانة من قِبل المولى هو قبح صدورها منه عقلاً ، وليس بمعنى الاستحالة والامتناع الذاتي . بعبارة أخرى : إنّ الاستحالة تارةً تُطلق ويُراد بها الاستحالة في مقام العقل النظري ، وهي استحالة ذاتية من قبيل اجتماع النقيضين ، وأخرى تطلق ويراد بها الاستحالة في مقام العقل العملي كاستحالة صدور الظلم من الله تعالى ، فإنّ صدوره منه ليس بمستحيل ذاتاً وإنّما عدم صدوره منه لأجل أنّه لا يليق بساحته المقدّسة ؛ باعتبار عدله وحكمته ورحمته ، والمقام من هذا القبيل .
فاتّضح أنّ المعنى الأوّل لاستحالة التكليف بغير المقدور هو قبح الإدانة بسبب فعل أو ترك لم يكن صادراً من المكلّف بالاختيار .
المعنى الثاني : أنّ المولى تبارك وتعالى يستحيل أن يصدر منه تكليف بغير المقدور في عالم التشريع وليس في عالم الإدانة واستحقاق العقوبة فقط ، بمعنى أنّ الشارع إذا أراد أن يشرّع حكماً فلابدّ أن يكون مقدوراً وإلّا فلا يصدر منه ، فتكون القدرة - بناءً على هذا المعنى - شرطاً في التكليف في عالم التشريع وليست شرطاً في الإدانة فقط ، كما لو أمر الشارع المكلّف بالصلاة مليون ركعة يومياً ، فهو غير مقدور بالنسبة للمكلّف وبالتالي يستحيل صدوره منه .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 25
مساهمون: علاء السالم
ص٢٥