فلا يتّصف الصدق بالحسن ما لم يأمر به الشارع ولا الكذب بالقبح ما لم ينه عنه الشارع ، فالحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه . وأمّا قبل ورود الأمر والنهي منه فلا يستطيع العقل أن يدرك حسن الصدق والأمانة وقبح الكذب والخيانة .
وعلى هذا الأساس ذكروا بأنّ الله تعالى لو أراد أن يدخل جميع المطيعين - بما فيهم أنبياء الله - النار وجميع العُصاة الجنّة لكان فعله حسناً ولا محذور فيه ، فإنّ أيّ فعل قبل أمره ونهيه لا يتّصف بأيّ قيمة في نظر العقل .
والمصنّف ( قدس سره ) تبعاً للمدرسة الإماميّة والعدلية عموماً يختار القول الأوّل ، ولذا عبّر عن الحسن والقبح بأنّهما « أمران واقعيّان يدركهما العقل » .
هذا بالنسبة إلى أصل إدراكهما من قبل العقل ، وأمّا معناهما فقد ذكر لهما معانٍ عدّة :
1 - الكمال والنقص ، فإنّ كثيراً من الأخلاق الإنسانية يكون حسنها وقبحها بهذا المعنى ، فيقال عن الشجاعة بأنّها حسنة أي كمال للإنسان ، وعن الجبن بأنّه قبيح أي نقص له .
2 - الملاءمة للنفس والمنافرة لها ، والحسن والقبح بهذا المعنى يقعان وصفاً لبعض أفعال الإنسان فيقال : الأكل عند الجوع حسن ، وهذا المنظر قبيح .
3 - المدح والذمّ ، أي : ما يستحقّه فاعله المدح فهو حسن ، وما يستحقّ فاعله الذمّ فهو قبيح . بعبارة أخرى : إنّ الحسن هو ما ينبغي فعله ، والقبيح ما ينبغي تركه .
والمراد بالحسن والقبح في المقام هو المعنى الثالث .
فتحصّل : أنّ حسن الفعل وإنبغاء صدوره ، وقبحه وإنبغاء تركه أمرٌ واقعيّ تكوينيّ ، ودور العقل بالنسبة لهما دور المدرك والمكتشف .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 236
مساهمون: علاء السالم
ص٢٣٦