وبعد اتّضاح ذلك نقول : لا إشكال في وجوب مقدّمة الواجب عقلاً ؛ إذ إنّه يدرك - كما أسلفنا - وجوب تحصيل ما له دخل في امتثال الواجب بعد صيرورة وجوبه فعليّاً ، والمفروض أنّ الواجب لا يوجد إلّا بإيجاد مقدّماته ، فيكون وجوب تحصيل المقدّمة عقلاً أمراً مسلّماً .
إنّما الكلام في أنّ مقدّمة الواجب هل تتّصف - بالإضافة إلى الوجوب العقلي - بالوجوب الشرعي تبعاً لوجوب ذيها ، بحيث يترشّح من إرادة الوجوب الأصيل وإيجابه إرادة وإيجاب للمقدّمة ؟
فمثلاً : هل يتّصف السفر - الذي يعدّ مقدّمة للوقوف بعرفات - بالوجوب الشرعي تبعاً لوجوب الوقوف ، أم يكتفى لأجل امتثاله بكونه واجباً عقلاً ؟
وكذا الحال فيما لو قال المولى : « صلِّ » ثمّ قال : « لا صلاة إلّا بطهور » ، فإنّ ممّا لا شبهة فيه أنّ العقل يدرك وجوب تحصيل الطهارة قبل الإتيان بالصلاة ، ولكن هل يترشّح عليها وجوب شرعيّ من الصلاة ، فيكون عندنا وجوبان شرعيّان أحدهما أصيل للصلاة والآخر تبعيٌّ للوضوء ؟
فالكلام إذاً في الوجوب الشرعي لمقدّمة الواجب ، وليس في الضرورة واللابديّة العقلية ، فإنّه أمرٌ مفروغ عنه بين الأصوليّين .
وبعد اتّضاح محلّ النزاع وتحريره نطرح الأقوال المذكورة في المسألة .
الأقوال المطروحة في المسألة
انقسم الأصوليّون في اتّصاف مقدّمة الواجب بالوجوب الشرعي واستلزام ترشّح الإرادة والإيجاب من ذيها عليها على ثلاثة أقوال :
الأوّل : القول بالملازمة بين إرادة ذي المقدّمة وإيجابه وإرادة المقدّمة وإيجابها ، بمعنى أنّ لازم إرادة المولى الصلاة وإيجابها ، هو إرادة الوضوء