فإنّ الشكّ في تقييد الواجب بقيد لم يؤخذ في لسان الدليل يمكن نفيه بإطلاق الدليل ، بخلاف قيد قصد الامتثال ، فإنّه لمّا كان مستحيلاً ولا يمكن التقييد به فلا يجوز نفيه بالإطلاق عند عدم ذكره في الدليل ، إذ لعلّه يكون مراداً للمولى ولكنّه مضطرّ لعدم ذكره لاستحالته ، هذه هي الثمرة إجمالاً وإليك التفصيل عبر مثال يوضّح الفكرة :
إذا أمر المولى بالصلاة وحدّد المكلّف أجزاءها وشرائطها ، وكان من ضمن الشروط الستر بالثوب ونحوه ، ولكن المكلّف شكّ في اشتراط الصلاة بالثوب الأبيض ، وعند مراجعته لأدلّة الستر في الصلاة لم يجد اشتراط مثل هذا القيد والخصوصيّة في صحّة الصلاة ، بل وجد أنّ الأدلّة مطلقة من هذه الناحية ، ففي هذه الحالة يمكنه أن ينفي دخل مثل هذه الخصوصيّة - أي الصلاة بالثوب الأبيض - في الواجب ؛ لأنّها لو كانت مرادة للمولى لقيَّد التكليف والاعتبار - العنصر الثالث في مقام الثبوت - بها ، ولأبرز خطاباً في مقام الإثبات يكشف عن ذلك الاعتبار المقيّد . فمن عدم تقييد الصلاة بذلك يُكتشف عدم إرادة مثل هذا القيد . وهذا هو ما أسميناه سابقاً بقرينة الحكمة المبتنية على ظهور حاليّ في أنّ ما لا يقوله المتكلّم لا يريده جدّاً وحقيقة .
وهكذا الحال في أيّ خصوصيّة أخرى يُشكّ في دخلها في الواجب ، ولكن بشرط أن يكون تقييد الواجب بها أمراً ممكناً ؛ لأنّه تقدّم في بحث « التقابل بين الإطلاق والتقييد » أنّ التقابل بينهما في عالم الإثبات باتّفاق الجميع هو من التقابل بين العدم والملكة ، ومن شروط هذا التقابل أن يكون المورد قابلاً للاثنين معاً ليكتشف أحد المتقابلين عند عدم مقابله ، فكما لا يصدق العمى في مورد لا يتّصف بالبصر ، فكذلك لا يصدق الإطلاق في مورد لا يتّصف بالتقييد .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 122
مساهمون: علاء السالم
ص١٢٢