الشرح
ما ذكرناه إلى هنا من مباحث الإطلاق وإجراء قرينة الحكمة لإثباته إنّما هو في المعنى الإسمي كمدلول عالم في قولنا : « أكرم العالم » ، وفي هذا البحث يتمّ التطرّق إلى الإطلاق في المعاني الحرفية كمدلول صيغة الأمر في المثال المتقدّم ، لنتعرّف على إمكانية جريان الإطلاق فيها كجريانه في المعاني الإسميّة ، أو عدم الإمكان .
وقد تطرّقنا إلى هذا البحث - باختصار - فيما تقدّم ، وتحديداً في قاعدة احترازيّة القيود في النحو الثالث من أنحاء القيود .
منشأ الشبهة
إنّ منشأ الشبهة التي يتوهّم منها عدم إمكان الإطلاق في المعاني الحرفية هو أنّ المعنى الحرفي معنى جزئيّ قائم في غيره ومتقوّم بالطرفين اللذين يربط بينهما ، وليس له وجود مستقلّ في حدِّ نفسه ، ومثل هذا المعنى غير قابل للتقييد بقرينة خاصّة ولا إثبات إطلاقه بقرينة الحكمة العامّة ؛ لأنّ التقييد والإطلاق من شؤون المعنى القابل للتحصيص .
بعبارة أخرى : إنّ المعنى الاسمي - مثل زيد - له مفهوم مستقلّ في الذهن سواء كان هناك شيء آخر أم لا ، ومن ثمَّ يمكن للشارع أن يقيّده أو يطلقه ، بينما في المعنى الحرفي - مثل من - فحيث إنّه معنى قائم في غيره ولابدّ من وجود الطرفين في تصوّر معناه ، فلا يصحّ فيه الإطلاق والتقييد .
هذا هو منشأ الشبهة التي يتوهّم منها عدم إمكان جريان قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق في المعاني الحرفية .