فاتّضح إلى هنا أنّ الكتمان يصدق على الإخفاء في حالة توفّر مقتضيات الوضوح والعلم والبيان ، ولا يصدق على عدم الإخبار في مورد لا تتوفّر فيه متقضات الوضوح والعلم ، ولا يكون مَن لا يخبر في مثل هذه الحالة كاتماً للحقّ ، وحال خبر الواحد هو من هذا القبيل ، ومن ثمّ لا يكون عدم الإخبار مصداقاً للكتمان الذي تدلّ الآية على حرمته .
الوجه الثاني : أنّ الاستدلال بالآية الكريمة قائم على افتراض وجود الملازمة بين وجوب إبداء الأمر المكتوم مطلقاً - المستفاد من إطلاق حرمة الكتمان - وبين وجوب القبول مطلقاً ، ولكن بالإمكان إنكار هذه الملازمة من دون لزوم اللغوية ، وذلك بأن يكون وجوب الإخبار وجوباً مطلقاً بمعنى أنّه يجب على المخبر الإخبار سواء ترتّب على إخباره العلم أم لا ، ولكن لا يجب على السامع القبول مطلقاً ، وإنّما يجب عليه القبول في حالة حصول العلم .
إن قلت : إذا كان الأمر كذلك ، فلِمَ يجب عليه الإخبار مطلقاً ، ولماذا لا نقول بأنّه يجب عليه الإخبار في حالة ترتّب العلم على إخباره لا مطلقاً ؟
قلت : لعلّ غرض الشارع هو وجوب القبول في حالة حصول العلم ، ولكنّه أوجب الإخبار مطلقاً لأجل الاحتياط في تحصيل غرضه ؛ إذ يصعب - بل لا يمكن - إعطاء قاعدة كلّية يميّز المخبر من خلالها بين موارد ترتّب العلم على إخباره وبين الموارد التي لا يترتّب عليها ذلك . فلمّا وجد المولى أنّ المخبر قد يخطئ في بعض الأحيان في تشخيص المصداق ويتصوّر بأنّه لو أخبر فلا يحصل من كلامه علم للسامع ومن ثمّ لا يخبر - مع أنّ الأمر في الواقع خلافه - فاحتاط له الشارع لأجل تحصيل غرضه بأن أوجب الإخبار مطلقاً وترك للسامع فرصة القبول في حالة حصول العلم من إخباره فقط .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 309
مساهمون: علاء السالم
ص٣٠٩